احتجاجات جنوب العراق وصراع القوى الشيعية

عدد القراء 43

جاسم الشمري

كاتب عراقي

الصراع المتجدد في العراق بين الحكومة والعراقيين، والبارز هذه الأيام عبر المظاهرات الواسعة التي عمت مدن الجنوب كافة (البصرة وميسان وذي قار وكربلاء وبابل والنجف، وكذلك أجزاء واسعة من العاصمة بغداد ومناطق صغيرة في ديالى) يؤكد أن العراقيين وصلوا إلى مرحلة اليقين بأن هذه الحكومة والقوى الحاكمة غير قادرة على إدارة البلاد.

هذه المظاهرات تؤكد حالة الغضب الشعبي وتثبت قضية عدم قناعة كبيرة في الشارع الشيعي العراقي بأداء القوى الشيعية الحاكمة والمدعومة دينيًا ودوليًا وذلك بسبب فشل هذه الحكومات في تقديم أبسط الخدمات الضرورية للمواطنين.

الخلافات برزت بعض صورها بين القوى الشيعية المسيطرة على المشهد السياسي، وطفحت للسطح في المراحل السابقة والتالية للانتخابات البرلمانية التي جرت في منتصف مايو/أيار الماضي، ولم تظهر نتائجها حتى الساعة

ما يجري من مظاهرات صورة ليست جديدة لكن يبدو أنها الأبرز في ملف الخلافات بين الأحزاب والتجمعات الشيعية الحاكمة، ومن ثم في مراحل لاحقة بين تلك القوى الحاكمة وجمهورها الشيعي.

الخلافات برزت بعض صورها بين القوى الشيعية المسيطرة على المشهد السياسي، وطفحت للسطح في المراحل السابقة والتالية للانتخابات البرلمانية التي جرت في منتصف مايو/أيار الماضي، ولم تظهر نتائجها حتى الساعة، ومن صور هذه الخلافات السياسية بين الكتل الشيعية الحاكمة ما كشفه تيار الحكمة برئاسة عمار الحكيم الذي أكد وجود مافيات لبيع وشراء الأصوات داخل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

وفي بداية مايو 2018 حذر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، من محاولات تزوير الانتخابات البرلمانية العراقية، قائلاً: "سنزلزل الأرض تحت أقدام الفاسدين والمزورين إذا تم التلاعب بالأجهزة الحديثة (العد والفرز الإلكتروني) واللجوء إلى التزوير".

وفي ذات السياق أبدى نائب الرئيس العراقي نوري المالكي، في مقابلة تليفزيونية تخوفه من التلاعب بنتائج الانتخابات البرلمانية، مؤكدًا أن "الحروب الأهلية عادة تحصل بعد الإحصاء السكاني إذا جاءت النتيجة لا ترضي نسب المكونات، وتحدث حرب أهلية بعد الانتخابات إذا طعن بنتائجها".

وتعقيبًا على حديث المالكي، تساءل المحاور قائلاً: "هل كلامك تهديد أم تحذير أم تنبيه؟ هل تخشى أن التلاعب بنتائج الانتخابات قد يؤدي إلى حرب أهلية؟"، ورد رئيس ائتلاف دولة القانون عليه بالقول: "نعم هي خشية وليست تهديدًا، وأنا أهدد نفسي والجميع، أن لا تتلاعبوا بالانتخابات حتى لا تحدث حرب أهلية".

الصراع الداخلي تطور اليوم وخرج من ميدان السياسة إلى الشارع العراقي، وقد تطور بشكل سريع ووصل لمرحلة المواجهات بين الجمهور الشيعي والأحزاب والقوى الشيعية، وهذا تطور خطير

هذه التهديدات المباشرة وغير المباشرة موجهة من قوى شيعية لقوى شيعية أخرى، لأن الطرف السني هو الأضعف في اللعبة والكرد لهم حالتهم الخاصة بهم! وهذه التهديدات تؤكد مستوى التأزم الذي سبق مرحلة الانتخابات المسيطر عليها من القوى الشيعية المدنية والعسكرية!

برز هذا التأزم ثانية بعد نهاية الانتخابات البرلمانية التي لم تظهر نتائجها حتى الساعة بعد شهرين من موعد إجرائها، وكذلك في المباحثات السابقة والحاليّة لتشكل الكتلة الأكبر داخل البرلمان العراقي القادم!

الصراع الداخلي تطور اليوم وخرج من ميدان السياسة إلى الشارع العراقي، وقد تطور بشكل سريع ووصل لمرحلة المواجهات بين الجمهور الشيعي والأحزاب والقوى الشيعية، وهذا تطور خطير ربما هو الأول من نوعه في البلاد منذ مرحلة ما بعد 2003.

المظاهرات في جنوب العراق دخلت أسبوعها الثاني، وقد رافقتها عمليات حرق لمقار الأحزاب الكبرى ومنها حزب الدعوة الحاكم وحزب الفضيلة ومقار تيار الحكمة وحزب الله العراقي وثكنات منظمة بدر، وغيرها من المقرات التابعة للقوى الفاعلة في المشهد السياسي العراقي.

الخلاف بين الحكومة والجماهير - التي كانت تظن أنها تؤيدها - كان واضحًا وكبيرًا بدليل أن العبادي عاد من بروكسل مباشرة إلى البصرة ليلتقي بوجهاء المدينة الذين أخبروه أنهم لا يثقون بوعوده لهم حتى ضمن إطار القاعة التي يجتمعون بها، وقد دخل المتظاهرون للفندق الذي يقيم فيه العبادي، وهم يهتفون ضد سوء إدارته للبلاد، مما اضطر حمايته لإخراجه بصعوبة من الباب الخلفي للفندق!

استخدام القوة المفرطة في التعامل أو التعاطي مع المطالب الإنسانية للجماهير في جنوب العراق، يؤكد أن زعماء بغداد لا يفكرون إلا بأنفسهم

حكومة بغداد تعاملت بأسلوب غير حضاري مع المظاهرات، واستخدمت القوة المفرطة في تفريق المتظاهرين! وفي محاولة حكومية لتشتيت جهود المتظاهرين وقطع التواصل الشعبي والمعنوي بينهم عملت على قطع الإنترنت عن مدن المظاهرات وعموم العراق لأكثر من 40 ساعة، وهذا يعد انتهاكًا لأبسط حقوق الإنسان وضربة لشعارات احترام المواطن العراقي التي ترفعها الحكومة.

وزارة الصحة العراقية ذكرت أن عدد قتلى المظاهرات بلغ 8 متظاهرين حتى صباح يوم الإثنين بالإضافة إلى 56 جريحًا بينهم 8 في حالة حرجة، وذلك نتيجة استخدام القوات الأمنية للرصاص الحي في تفريق المتظاهرين، فيما ذكرت مصادر غير رسمية نقلًا عن وزارة الداخلية العراقية أن أكثر من (400) بين قتيل وجريح!

استخدام القوة المفرطة في التعامل أو التعاطي مع المطالب الإنسانية للجماهير في جنوب العراق، يؤكد أن زعماء بغداد لا يفكرون إلا بأنفسهم، ومستعدون لقتل أتباعهم من أجل الكراسي، وربما ستكون المرحلة القادمة حبلى بأحداث جسام ربما أقلها عمليات اغتيالات متبادلة، وربما تصل لمرحلة الحرب الأهلية، وحينها سيحترق الأخضر واليابس، وكل ذلك لأن زعماء العراق لا يريدون الاعتراف بفشلهم في قيادة البلاد!

 

المصدر : ن بوست

4/11/1439

17/7/2018

 

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع