الشحرور .. والدين الجديد !!

عدد القراء 245

ولد محمد أديب شحرور في مدينة دمشق عام 1938م، ودرس المراحل الأولى من تعليمه في دمشق، وقبل أن يسافر إلى الاتحاد السوفياتي كان شيوعياً واشتراكياً فانتسابه للحزب الشيوعي هو سبب بعثته إلى روسيا، وفي الأصل ابتعث لدراسة هندسة ميكانيكا التربة والأساسات أواخر الخمسينات، ما بين ( 1958 - 1964م ) زمن وجود الاتحاد السوفياتي.
 
نال الماجستير في الهندسة المدنية (اختصاص ميكانيك تربة وأساسات) جامعة دبلن - إيرلندا 1969م، و الدكتوراه في  الهندسة المدنية، من جامعة دبلن أيضاً عام 1972م.
وبذلك اكتمل تأثره بالمستشرقين خلال دراسته في إيرلندة «دبلن»، لدراسة الماجستير والدكتوراه. [النزعة المادية في العالم الإسلامي، عادل التل، ص297].
 
أما الظروف التي أثرت في نمط تفكيره فهي انهيار الاتحاد السوفياتي، والدعوة للتخلص من الكيانات الشمولية، والدعوة للحريات الديمقراطية حيث: شيوعية مفككة، وإسلام متشدد، ورأسمالية ديمقراطية نشطة تسيطر على فكر المفكرين وخاصة العرب، من هنا كان المولود الأول كتابه الذي أسماه: (الكتاب والقرآن ـ قراءة معاصرة ـ ) 822 صفحة، ويقر الشحرور فيه أن النتائج التي توصل لها الكتاب لا توجد في كتب السلف، دون أن يصرح ما هو مراده من السلف؟ هل هو سلف لغوي؛ أو سلف فلسفي؛ أو سلف ماركسي وهو الأرجح.
 
ولا تعجب أخي القارئ فحينما نقلب صفحات الكتاب من أوله إلى آخره لا نجد دعوة ولو مرة واحدة إلى تغيير النظام السياسي المسيطر!
 
ويزول العجب حين نرى (بيليترو) وهو أحد مستشاري الخارجية الأمريكية في خطاب ألقاه أمام مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك بتاريخ 8/ 5/ 1996 ـ يثني على مجموعة من الكُتَّاب العلمانيين الذين أُطلق عليهم عمداً لقب (الباحثين الإسلاميين والمجددين) وأشاد فيه بثلاثة كتّاب هم: محمد سعيد العشماوي من مصر، ومحمد أركون من الجزائر، ومحمد شحرور من سورية..!
 
وفي الآونة الأخيرة لفت نظر كثير من المثقفين ظهور المهندس محمد الشحرور في القنوات الفضائية، وهو يقدم التفسيرات الشاذة للقرآن الكريم، إذ يحرِّف ويضلل ويبدِّل ويشوِّه ويُفسِد كثيراً بتحليل المحرمات، ويخدع الناس بلغة عربية ملائمة مع المعطيات الفكرية المعاصرة ليلبِّس على الناس، إذ يأتي بمعانٍ لمفرادات قرآنية تخالف نظم الآية القرآنية وسياقها وسباقها ولحاقها، ويحاول أن يلوي أعناق الآيات لتتناسب في فكره الذي يعتنقه، ويظن أنه إذا قال: (ولا الضالّون)، ردّد الخلق جميعاً: (آمون).!
 
واتسعت أزمة استضافة تلفزيون أبو ظبي للشحرور، وباتت قضية الرأي العام في دولة الإمارات، وقد قاد عضو المجلس الوطني الاتحادي، (سعيد الرميثي) حملة شعبية تدعو إلى إيقاف البرنامج.
 
يذكر أن هدف الشحرور من ذلك كله تفكيك الآيات وقراءتها بطريقة انتقائية إذ يأتي بمجتزآت قرآنية ليوجهها توجيهاً باطلاً، ويُعرض عن باقي الآيات، فهو يقرأ القرآن ليس قراءة معاصرة كما يدعي؛ بل قراءة ماركسية.
 
وقد أوضح علماء اللغة العربية أن الشحرور جاهل باللغة العربية وأساليبها، والعجيب أن الذي عمل تقديماً لكتاب الشحرور هو صديقه الذي التقاه بروسيا إنه (جعفر دك الباب) الذي يقول:
تقديــم المنهج اللغوي في الكتــاب بقلم: الدكتــور جعفر دك الباب.
(لقد توصل الدكتور شحرور في قراءته المعاصرة إلى نتائج جديدة مغايرة لما هو سائد الآن في التراث العربي الإسلامي).
 
ثم يحرِّف جملة وينسبها لابن جني الذي لم يقل بهذه الفكرة أصلاً: (انطلق ابن جني من منطلق وصف البنية اللغوية.. ) إلى أن قال: (ويعني هذا أن ابن جني لجأ إلى الوصف التطوري لبنية الكلمة الذي يأخذ بالاعتبار عامل الزمن) ..!
 
طبعاً هذا الافتراء والتلفيق على ابن جني والجرجاني وأبي علي الفارسي وغيرهم ليخدم بها أفكار الشحرور.
 
وقد ردّ عليه الأستاذ القدير يوسف الصيداوي اللغوي المشهور في كتابه (بيضة الديك) الذي ألَّفه رداً على كتاب الشحرور، ومعلوم أن الديك لا يبيض فهذا شحرور على سبيل المجاز بيضة ديك، فتصدى الأستاذ الصيداوي له مفنداً مزاعمه في اللغة، ومبيناً أنه لا يفقه فيها شيئاً، دون أن يتدخل في أي رأي ديني عرض له المؤلف، وإنما اكتفى في مقدمته بترديد مقولة عبد المطلب بن هاشم لأبرهة الحبشي عندما جاء يغزو الكعبة: (إن للبيت رباً يحميه)، وعندما قُدِّم كتاب الصيداوي إلى وزير الإعلام السوري آنذاك، غضب الوزير وانفعل، واستدعى الأستاذ يوسف الصيداوي إلى مكتبه، ومما قاله للصيداوي: 
(لماذا حصرتَ نقدك للكتاب في اللغة العربية فقط ألَـمْ تجد في الكتاب شيئاً تنقده سوى اللغة؟!) 
فأجاب الأستاذ الصيداوي:
(بلى لقد وجدتُّ كثيراً، ولكني رأيتُ رجلاً مهندساً بنى صرْحاً شامخاً على بساط من اللغة العربية فسحبت البساط من تحته فقط!). 
فضحك الوزير وانفضّ المجلس. [الحادثة مذكورة في مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 101 السنة السادسة والعشرون - كانون الثاني 2006 - المحرم 1427].
 
ويعترف الشحرور في أكثر من لقاء بأنّه توجه لدراسة القرآن كردّ فعل على نكسة 1967م، ومن هنا نفهم تماماً النفسية المنهزمة التي توجّه بها الشحرور إلى كتاب الله، وهو أمر واضح من منهجه، إذ يستعرض نموذجاً تطبيقياً على منهجه هذا في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}  [آل عمران: 14].
 
ويقول إنّ الآية تتحدث عن (مَتَاع)، يعني أشياء وحاجات؛ وليس عن مخلوق عاقل، فهو ينكر أن يكون معنى (النِّسَاءِ) جمع امرأة، وإنما يزعم أنّ النساء هنا جمع (نسيء)!، أي التأخير، ومن ثمّ يصبح المعنى: الأشياء المؤخّرة، أي الأشياء الجديدة المحبوبة للناس، أو بعبارة أوضح: الموضة..!
 
وماذا عن (وَالْبَنِينَ)؟! وكذلك (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وأيضاً (وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) .. يعرض الشحرور عن تفسير كل ذلك، فقد أخذ ما يحلو له فقط واجتزأها من الآية، وفسرها تفسيراً غير مقبول لا عقلاً ولا لغة ولا شرعاً .. وهكذا كل طاماته.
 
وفي الحقيقة الرجل لا يستحق الرد لكونه يخلط الحابل بالنابل ليصل إلى ما يريد، وليس له إلمام بعلم اللغة ولا بالشريعة، ولكن جاء هذا الرد خشية أن يفتتن به بعض من الشباب، وسأكتفي بتعداد بعض الأمور التي يدعو إليها الشحرور وهي مخالفات واضحة لكل ذي عينين:
 
1- العلاقات الجنسية في العالم كله 90% حلالٌ؛ لقيامها على التراضي بين الطرفين ولو كانت في بيوت الدعارة.
 
2-الزنا بين الرجل والمرأة حلالٌ بالتراضي إذا كان مع امرأة غير متزوجة، وذلك باسم مُلْك اليمين، كما أباح (المساكنة بينهما) ولو لم يكن بينهما عقد زواج.
 
3- الخمر ليس حراماً.
 
4- المسلم المكلف المستطيع هو بالخيار إن شاء صام شهر رمضان وإن شاء أفطر ودفع الفدية.
 
5- يجب على المرأة أن تغطي الجيوب الأربع فقط وهي: (تحت إبطيْها وبين فخذيْها)، ويباح لها كشف شعرها وأكتافها وفخذيها وساقيها، وأن الإسلام جاء بإلغاء الحجاب للمرأة.
 
6-المصحف هو النص المقدس الوحيد، ولا دور للسنة النبوية في التشريع، وما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من أحكام وتشريعات خاص بعصره فقط.
 
7- ينكر الشحرور معجزة الإسراء والمعراج.
 
8- الربا جائز؛ بشرط ألا يزيد على ضعف رأس المال في السنة الواحدة.
 
9- ينكر وجود الروح في الإنسان، ويفسرها بأنها عبارة عن المعرفة التي يكسبها الإنسان.
 
10- يبيح الشحرور التبنِّي الذي جاء القرآن الكريم صراحة بتحريمه، فقال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّـهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّـهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب:4-5].
 
هذا كله غيض من فيض، فالرجل دعوته خطيرة من جهة المآلات، ولا يتقن صناعة الرد على خصومه؛ لأنه لا يمتلك الأدوات المعيارية لنقدهم، وغالباً ما يتعذر بأنه أخطأ أو أنه قد بقيت فيه رواسب من التراث.
 
 
د. محمد محمود كالو
8/9/1439
24/5/2018



الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع