السياسة الإيرانية تجاه العالم العربي : ميراث ثقيل وعداء متواصل

عدد القراء 124

ارتبط تاريخ العرب بتاريخ الفرس في علاقات متوترة منذ انهزامهم في معركة القادسية قبل 1400 عام، حيث تملكت الفرس(1) نظرة ازدرائية لدور العرب الحضاري، ثم تداخل في هذه العلاقة الخلاف التاريخي بين السنة والشيعة ليؤدي إلى حالة توتر دائمة.

وهذا التوتر دفع الصراع إلى أن يتخذ لاحقا أبعادا طائفية في محاولة إضعاف مستمرة للنسيج العربي وكياناته السياسية عبر تصدير الثورة الإيرانية واستخدام البعد الديني في مد النفوذ واعتماد أسلوب تصعيد التوترات وعوامل بث التفرقة والانقسام كما حدث في العراق.

ويبدو تاريخ الأحقاد ومرتكزاته السياسية والمذهبية طويل وما يزال قائما، لم يطرأ عليه أي تغيير منذ قيام شاه إيران بالاعتراف بـ"إسرائيل" ولعب دور الشرطي في المنطقة بعد تحالفه مع الولايات المتحدة مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم محاولة إيران سد العجز الحاصل في تصدير النفط على إثر القرار العربي وقف تصديره للدول الداعمة إلى "إسرائيل"، وكذلك السعي لمحاولة ضم البحرين وادعاء حق ملكية الأرض واحتلال الجزر الإماراتية الثلاث، ما مثل على الدوام تهديدا للمصالح العربية، وأوجد حالة مستمرة من الشكوك في النوايا الإيرانية.

وزاد حجم التهديد عن حده بعد قيام ثورة 1979 على إثر قرار الحرس الإيراني تصدير الثورة، علاوة على السعي قدما إلى خلق طابور خامس عرف لاحقا بمعسكر الممانعة، يمهد الطريق لزعزعة كيانات الدول العربية والتسرب في قلب شرق المتوسط، حيث تداخل فيه الديني والثوري تحت شعار نصرة المستضعفين تارة أو مقاومة “الشيطان الأكبر” تارة أخرى.

من بين أبرز ملامح نهج سياسة إيران العدوانية تجاه العالم العربي اعتمادها على عدة عناصر تشكل تهديدا لبنية النظام العربي:

* قامت إيران بتسخير أيديولوجية ثورية دينية تقوم على نشر مبادئ ولاية الفقيه بموجب المادة رقم 152 من الدستور الإيراني الذي يطرح أهلية الجمهورية الإسلامية في الدفاع عن جميع المسلمين. وهي محاولة لتسويق النموذج الإيراني كنموذج أمثل.

* سعي إيران المتواصل لتوظيف القضية الفلسطينية لتوسيع دائرة الأنصار والمعجبين حول نموذجها، وذلك من خلال توثيق العلاقة مع حماس. والواقع أن هذه السياسة أخذت طابعا تنافسيا سلبيا مناهضا لأحقية الجانب الفلسطيني الشرعي في اختيار الحلول المناسبة، وخاصة عندما قدم الجانب العربي عدة مبادرات لحل القضية الفلسطينية سلميا من خلال المبادرة العربية للسلام والذي سرعان ما قابلته طهران بدعاية مضادة تحريضية رافعة شعار الدعوة لاستئصال "إسرائيل". بالإضافة إلى ذلك، حاولت إحداث شق في الموقف الفلسطيني كما قامت سابقا مثلا بدعم "حزب الله" على حساب حركة أمل الشيعية.

 

غزو العراق شكل فرصة تاريخية لإحياء مشروع الإمبراطورية الساسانية عبر دعم وتمكين المكون الشيعي

 

* تسخير البعد الطائفي والولاء المذهبي بدأ يتضح مليا منذ غزو العراق في عام 2003، والذي شكل فرصة تاريخية لإحياء مشروع الإمبراطورية الساسانية عبر دعم وتمكين المكون الشيعي العراقي من السيطرة على مفاصل الدولة العراقية، وذلك تمهيدا لجعل العراق رأس حربتها في المنطقة العربية. ي.

* رابعا، بدأ التحالف الإيراني غير المعلن مع الولايات المتحدة الأميركية ينكشف بالتدريج على إثر مواقفها من اجتياح الولايات المتحدة لأفغانستان على خلفية أحداث 11 سبتمبر، مما أعاد إلى الأذهان حادث قبول طهران أسلحة أميركية في حربها مع العراق نظير إطلاقها لبعض الأسرى، ضاربة عرض الحائط شعاراتها المرفوع “الشيطان الأكبر”، وذلك في سبيل تحقيق أي مصلحة سياسية، حيث شكل إسقاط نظام الرئيس صدام حسين وانهيار نظام طالبان في أفغانستان، فرصة محورية لمزيد من التوغل في أفغانستان والعراق تحت ستار مكافحة الإرهاب.

بعد الاضطرابات الداخلية-الداخلية الناجمة عن التشكيك في مصداقية الانتخابات الرئاسية التاسعة وتصدع ثقة الشارع الإيراني في المؤسسة الدينية الحاكمة، فقدت إيران حالة الجاذبية الناعمة التي كانت تمارسها على الرأي العام العربي، خاصة الشرائح التي كانت تنظر إليها كدولة ثورية تجمع بين الثورية والشرعية في نظامها السياسي، فيما كشف اندلاع أحداث الربيع العربي للجميع حالة الانتهازية السياسية بعد اختلاف ردة فعل طهران للأحداث التي كانت تجري في مصر وليبيا وتونس عن ردة فعلها لما يحدث في سوريا والبحرين واليمن.

هذا في الوقت الذي كذبت فيه الأحداث المتتالية تصريح مرشد الثورة آية الله خامنئي أن ما يجري في بعض الدول عبارة عن “صحوة إسلامية”، وذلك بدليل أن هذا التفسير كان مرفوضا من الإسلاميين أنفسهم الذين ركبوا الموجة طمعا في تحقيق مكاسب سياسية.

 

السياسة الإيرانية ما زالت تحددها الورقة المذهبية والطائفية والشعارات الأيديولوجية

 

وبدعم نظام بشار الأسد انكشفت حيلة دفاع إيران عن المستضعفين، فالأمر لا يتعدى أن يكون استغلالا فاضحا لأحداث سياسية بحسب المصلحة القومية الإيرانية، مما وضعها محل انتقادات شديدة بعد أن ازداد الطين بلة، أمام مواقفها العنجهية من موقف دول الخليج والجامعة العربية لحماية الشرعية السيادية في البحرين، وخاصة بعد أن تم نزع القناع عن كونها تسعى لاستخدام مذهبها في تأليب الشيعة العرب على الحكومات وتسعى باستمرار لاستغلال الأحداث السياسية العربية الداخلية لتعميق حالة الشلل وعدم الاستقرار والتدخل في السيادات الوطنية، كما فعلت في اليمن.

ومن المهم التذكير، أن سقوط ورقة التوت عن سياسة إيران الخارجية، بدأ يظهر جليا بعد احتلال بغداد وكشف تورطها في الشؤون العراقية باستغلال التطورات الإقليمية لتحقيق مصالحها السياسية، سيما أن واشنطن لم تبد أي امتعاض من التغلغل الإيراني في المنطقة، بل حاولت أقلمة صراعات المنطقة عبر توظيفها لدول غير عربية ("إسرائيل" وتركيا(2) وإيران)، بما يجعل مركز الثقل في أيد غير عربية.

وهذا ما يظهر جليا من خلال تبعات إدارة الملف السوري، حيث تتقاطع المصالح بين إيران وتركيا و"إسرائيل" لتحقق توازنات استراتيجية على حساب العرب، كما يلوح ذلك من خلال ضمان حالة تناقض بين طهران وأنقرة تارة، وتوافق ضمني بين تل أبيب وطهران والحياد بين أنقرة وتل أبيب تارة أخرى، حيث لا تسبب هذه التفاعلات القائمة وتداعياتها أي ضرر لهؤلاء، لكن كل التداعيات السلبية تطال الدول العربية كانتشار الفوضى والتهجير والدعوات الانفصالية والتناحر المذهبي.

ونخلص مما تقدم، أن السياسة الإيرانية ما زالت تحددها الورقة المذهبية والطائفية والشعارات الأيديولوجية، فيما تفضل أنماط التفاعلات الصراعية والخلافية من خلال الاعتماد على تشبيك تدخلها عبر "حزب الله" والحوثيين ومليشياتها في العراق لكي تتحول هذه القوى إلى قوى سياسية رئيسية تساعدها في تمددها وضمان الهيمنة في المنطقة، وهو ما يطرح تحديا وفرصة للعرب في الوقت ذاته في ظل استغلال الصراعات البينية العربية–العربية عبر محركات إيرانية-تركية-"إسرائيلية" تريد أن تغيبهم كقوة إقليمية مركزية، بحيث لن يتم رفع هذا التحدي إلا ببناء نظام إقليمي عربي يجيب عن قضايا مفصلية تتعلق ببناء سوق عربية مشتركة وأمن قومي عربي ونظم سياسية تحترم حريات المواطنين، تمكنهم من وقف زحف الاختراق الخارجي من قوى دولية وقوى إقليمية غير عربية والوقوف في وجه التنظيمات الإرهابية والعدمية التي تريد العصف بهم من الداخل.

مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

د حسن مصدق

 

 

المصدر : العرب

20/8/1439

6/5/2018

 

تعليق الحقيقة :

(1) ليس كل الفرس .. فالفرس قومية ونحن ضد العقائد المنحرفة والفرس كقومية فيهم الجيد والسيء .

(2) نحن لا مانع لدينا ان تتصدرنا اي دولة سنية أياً كانت قوميتها

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع