بوش وخامنئي.. أم الإسكندر وداريوس؟

عدد القراء 1411

 

بوش وخامنئي.. أم الإسكندر وداريوس؟

بقلم: سعد محيو

 

المصريون / الأطراف الثلاثة اتفقوا على تشكيل لجنة أمنية تأخذ على عاتقها معالجة الملفات المدرجة على "جدول أعمال سري" يتضمن تشخيص مكامن الأزمة الأمنية في البلاد وإقرار نوع التحرك المطلوب امنياً وسياسياً".

"جدول أعمال سري"؟.. ماذا قصد وكيل وزير الخارجية العراقية لبيد عباوي، الذي شارك في اجتماع ممثلين أمنيين وسياسيين عن الولايات المتحدة وإيران والعراق قبل أيام في بغداد، بهذا التعبير؟

لا معلومات. كل ما تسَرب هو أن بغداد وصفت الاجتماع الثلاثي الثاني (الأول عقد في أواخر شهر يوليو الماضي) بأنه "جرى في أجواء مشجعة ستساهم في تجنَب سوء الفهم والتصورات الخاطئة التي يحملها كل طرف على الآخر"، هذا في حين كان الإيرانيون يكتفون بالقول أن "الاجتماع كان فنياً وقد يخفف التوتر الأمني في العراق"، وفيما كان الأميركيون يشددون على أن الاجتماع اقتصر على البحث بتشكيل اللجنة ولم يناقش أي شيء آخر خارج نطاق أمن العراق.


الجذور:


تطورات غريبة؟ بالتأكيد. خاصة حين نتَذكر بأنه خلال " الاجتماع الأمني "وبعده، كان يقع حادثان أكثر غرابة:

الأول، يتمثل في إعلان قائد القوات الأميركية في العراق بان الميليشيات المدعومة من طهران، هي الطرف الأول والأساسي المسؤول عن الهجمات على القوات الأميركية في بغداد.

والثاني، يتجسد في اتهام إيران للولايات المتحدة وبريطانيا بتدبير "مؤامرة إرهابية كبرى" في منطقة خوزستان التي تقطنها أغلبية عربية والتي تعتبر من المناطق الأغنى بالنفط في إيران.

كيف يمكن لطرفين يتهمان بعضهما البعض بالتآمر الأمني ضد بعضهما البعض، أن يتحاورا في إطار لجنة أمنية، للوصول إلى تفاهمات أمنية مشتركة؟.

تفكيك شيفرة هذا اللغز تكمن في دراسة التركيبة الثقافية - التاريخية الخاصة للأميركيين والإيرانيين، والتي تسمح للطرفين بأن يتحاورا وهما يتقاتلان.

فعلى الجانب الأميركي هناك التركيبة البراغماتية، وهي الفلسفة التي أقيم عليها كل صرح الحضارة الأميركية، التي جعلت السياسة الخارجية للولايات المتحدة تتأرجح طيلة قرن كامل بين ما يحب الأميركيون أن يسمونه القيم العليا الأميركية، وبين المصالح الانتهازية الدنيا. وقد كان النصر دوماً، عدا حقب قصيرة في التاريخ، لهذه الأخيرة.

وعلى الجانب الإيراني هناك الدهاء الفارسي- الشيعي، الذي ولد على يد حاضنات إيديولوجية عدة من قورش إلى الصفويين، والذي يكاد يكون حاضراً في كل التوجهات الخارجية الإيرانية. وقد كان عبد الحليم خدام، السياسي السوري المنشق الأكثر توفيقاً حين وصف هذه الظاهرة المثيرة بقوله: "لم نكن نعرف حقيقة ما يريده الإيرانيون إلا بعد أن تقع الأحداث".

بيد أن هذه البراغماتية الأميركية وذلك الدهاء الفارسي يبقيان على المستوى التكتيكي ولا يرقيان إلى المستوى الإستراتيجي، للأسباب الثقافية – التاريخية نفسها. كيف ذلك؟


أثينا وفارس:


قبل نحو ثلاثة أعوام، طرح المؤرخ البريطاني طوم هولاند، صاحب كتاب "روبيكون: أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية"، السؤال الآتي:" ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم تنتصر القوات الإغريقية على جيوش الإمبراطورية الفارسية في عصور ما قبل المسيحية والأسلام؟

سؤال غريب ؟ أجل. لكنه مهم للغاية، ليس فقط لفهم أبعاد ما جرى في التاريخ السحيق، بل لتملّس مضاعفاته على التاريخ الحديث. أو هذا على الأقل ما يقوله طارح هذا السؤال. وهو تقدم به في دراسة جديدة بعنوان: "النار الفارسية"، توصل فيها إلى الاستنتاج بأنه لولا هزيمة الفرس في معركة ماراثون، لما برز إلى الوجود ليس فقط أفلاطون بكل ما ترك من تأثيرات لاحقة على الفكر الديني المسيحي والإسلامي، بل أيضاً الحضارة الأوروبية برمتها.
كان ضرورياً، برأيه، أن يزول طرف شرقي كي يصعد طرف غربي آخر مكانه. وكان من الملّح، في الوقت ذاته، أن تنتصر أثينا الإغريقية الديمقراطية على فارس الزردشتية الاستبدادية كي يتمكن الغرب من تحقيق صعوده التاريخي.

لو أن هذه الدراسة نشرت في أي وقت آخر، لما أثارت أي جدل. إذ هي تستند أساساً إلى افتراضات غير علمية، ناهيك عن اعتمادها بالكامل على رواية الإغريق لتاريخهم مع الفرس ومع تجاربهم السياسية الخاصة. لكنها (أي الدراسة) تأتي فيما فارس الحديثة تبدو العقبة الرئيس الأولى في وجه استكمال جهود إمبراطورية الغرب لضم الممالك الشرقية إلى حضارته الرأسمالية المتعولمة.

وهذا ما يفرض السؤال: هل كانت دراسة هولاند جهداً أكاديمياً بريئاً، أم أنها محاولة غير بريئة لمنح الصراع الغربي- الفارسي الراهن بعداً تاريخياً خطيراً، يستدعي بالضرورة إستراتيجيات غربية موحّدة وأكثر خطورة تجاه أحفاد داريوس وأتباع زرادشت السابقين؟

سواء قصد هولاند أم لم يقصد، ستصب إعادة قراءته للتاريخ في خانة اللابراءة، خاصة وانه يعتبر ما يسميه "الحروب الفارسية" (وليس الحروب الصليبية) أولى حروب صدام الحضارات بين الشرق والغرب!.

وبالطبع، مثل هذا التحليل نزل برداً وسلاماً على قلب الرئيس بوش وأنصاره الداعين إلى وضع مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الأوسع أو الجديد على نار حامية. فبما أن إيران- الخميني تلعب الآن (وإن على نطاق أكثر تواضعاً بكثير) الدور ذاته الذي لعبته فارس - داريوس كعقبة في وجه انتصار القيم الغربية، سيكون من الضروري الاستعداد لحرب ماراثون جديدة تحسم فيها الأمور نهائياً لصالح الغرب الديمقراطي على الشرق الاستبدادي.


الإستراتيجية والتكتيك:


لكن هنا ثمة اختلاف مثير بين ماراثون القديمة والحديثة: في الأولى، انقلب الاسكندر ذو القرنين على الفكر الزرادشتي المستند إلى حرب بين الظلام والنور يقودها ديكتاتور عادل، لصالح فكر العدالة والديمقراطية، فيما في الثانية يتبنى الإسكندر الحديث جورج بوش ذو القرن الوحيد (أي زعيم القوة العظمى الوحيدة) زرادشتية الفرس، عبر طرحه مفاهيم محور الشر والحرب بين الخير والشر.

وهذه مفارقة كان يجب أن ينتبه إليها هولاند وهو يبحث بدأب في "النار الفارسية" عن علاقة أول حرب حضارية في التاريخ بالصراع الراهن في القرن الحادي والعشرين، لكنه لم يفعل.
والأرجح أن واشنطن لن تفعل ذلك أيضاً. لكن هذه المرة ليس فقط لأسباب ثقافية – حضارية، بل لدوافع إستراتيجية.

فواشنطن لن تكون مستعدة لا الآن - ولا بعد مائة عام (!) - للتعاطي مع إيران على قدم المساواة كما تعاطت من قبل مع الصين والإتحاد السوفييتي. وهي ترفض، وستظل ترفض، قبول إيران كشريك إستراتيجي لها في النظامين الإقليميين في الخليج والشرق الأوسط، أو حتى في نظام آسيا الوسطى- قزوين. فما هو في الميزان بالنسبة لها لا يقل عن كونه مصير الزعامة العالمية الأميركية، المرتبط بدوره بشكل عضوي بمصير حقول النفط الخليجية. المناسبة الوحيدة التي يمكن بموجبها لواشنطن أن تقبل بالدور الإيراني، هي تعرضها إلى هزيمة ماحقة كتلك التي حدثت لها في الهند الصينية. وهذا ما لا يبدو وارداً.

ماذا إذن؟ لماذا يتفاوض الإيرانيون والأميركيون؟ الإيرانيون لأنهم يسعون دوماً لتحويل المفاوضات إلى صفقة إستراتيجية على النمط الصيني، فيما الأميركيون سيحرصون دوماً على إبقائها في إطار الصفقات التكتيكية، على نمط الصفقات المنعزلة في إيران- كونترا، وأفغانستان- كونترا، والعراق- كونترا !.

ولأنه سيكون من المستحيل مطابقة التطلعات الإستراتيجية الإيرانية مع الشروط التكتيكية الأميركية، سيبقى الحوار بين الطرفين أشبه بحوار طرشان يدور في حلقة مفرغة من التهدئة والتصعيد، إلى أن تقود لعب حافة الهاوية إلى مرحلة حسم ما.

.. وهذا بالتحديد ما يجري الآن داخل أروقة " اللجنة الأمنية " الأميركية – الإيرانية المشتركة في بغداد: ألعاب تكتيكية متبادلة تخفي أهدافاً إستراتيجية (وتاريخية حضارية) متناقضة.

فهل هذه كذلك هي "جدول الأعمال السري" الحقيقي الذي تحدث عنه وكيل وزارة الخارجية العراقية لبيد عباوي؟.. ربما!

 

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع