تدمير مخيم اليرموك: خدمة كبيرة "لإسرائيل"

عدد القراء 113

يتعدى سقوط مخيم اليرموك الذي يستهدفه النظام السوري بحملة عسكرية عنيفة، مجرد السيطرة عليه وطرد تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" منه، فالمخيم الواقع جنوبي العاصمة السورية دمشق والذي يُوصف بـ"عاصمة الشتات الفلسطيني"، يُشكّل جزءاً مهماً من الذاكرة والتاريخ الفلسطينيين، ولطالما كان رمزاً لقضية اللاجئين التي يستهدف الاحتلال "الإسرائيلي" تصفيتها.

وتصدّر مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين واجهة الحدث السوري في الفترة الأخيرة، مع إمعان قوات النظام ومليشيات فلسطينية تابعة لها في تدمير هذا المخيم الذي يسيطر تنظيم "داعش" على جزء كبير منه، فيما تسيطر "جبهة النصرة" على جيب في شماله، بينما تؤكد مصادر محلية أن آلاف المدنيين داخله يواجهون الموت في ظروف بالغة السوء تصل حدود الكارثة الإنسانية. ولم تتوقف عمليات القصف الجوي والمدفعي على اليرموك منذ يوم الخميس الماضي من قِبل قوات النظام ومليشيات فلسطينية تساندها، ما أدى إلى تدمير نحو 90 في المائة من أبنيته وفق مصادر محلية، تصف ما يجري فيه بـ"الكارثة"، محذرة من أن استمرار القصف لأيام أخرى يعني تحوّل المخيم إلى دمار كامل. وتلفت المصادر إلى أن هناك عشرات القتلى من المدنيين ما زالوا تحت الأنقاض، وأنه تم تدمير مستشفى فلسطين بصورة كاملة، وهو المستشفى الوحيد الذي كان يقدّم الخدمات الطبية الطارئة إلى أهالي المخيم.

ويقول معارض فلسطيني للنظام السوري إن تدمير المخيم يعني إلغاء جزء مهم من الذاكرة الفلسطينية، مشيراً إلى أن النظام يخدم المصالح "الإسرائيلية"، ويحقق هدفها بتصفية قضية اللاجئين من خلال إزالة مخيم اليرموك، والمخيمات الفلسطينية الأخرى في سورية.

 

تشير تقديرات إلى أنه لم يبقَ في المخيم سوى ثلاثة آلاف مدني معظمهم من كبار السن

 

يقع المخيم في جنوبي دمشق، وهو أقيم في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وضم لاجئين فلسطينيين إلى سورية بعد النكبة في عام 1948، ولكن سرعان ما تحوّل إلى عاصمة حقيقية للشتات الفلسطيني، إذ كان بمثابة "القلب النابض" للقضية الفلسطينية. وتشير تقديرات عدة إلى أنه لم يبقَ في المخيم سوى ثلاثة آلاف مدني، من بين قرابة المليون، ربعهم من اللاجئين الفلسطينيين، والبقية من المواطنين من مختلف المحافظات السورية. وتوضح مصادر محلية لـ"العربي الجديد" أن جلّ المدنيين الموجودين في المخيم "هم من كبار السن"، يعيشون ضمن ظروف بالغة السوء بسبب القصف المكثف، مشيرة إلى أنه لم ترد أنباء مؤكدة عن عدد القتلى والمصابين بسبب صعوبة التواصل مع المحاصرين داخل المخيم. وتكشف المصادر نفسها أن فصائل فلسطينية تصفها بأنها "حفنة من العملاء والمأجورين للنظام السوري"، تقاتل مع قوات النظام في المعارك الدائرة في مخيم اليرموك، أبرزها مليشيات "القيادة العامة" بقيادة أحمد جبريل، إضافة إلى مليشيات "فتح الانتفاضة"، و"فلسطين حرة"، و"لواء القدس"، في مقابل استبعاد "جيش التحرير" عن المعارك "خشية حدوث انشقاقات فيه على ما يبدو"، وفق المصادر.

أما عن أهداف استهداف المخيم، فيشرح الأمين العام لـ"التجمّع الفلسطيني السوري الحر" (مصير) التابع للمعارضة السورية، أيمن أبو هاشم، أن "لدى النظام السوري حقداً تاريخياً كبيراً على مخيم اليرموك"، مضيفاً في حديث مع "العربي الجديد": "كان لمخيم اليرموك دور في فضح الدور الذي قام به حافظ الأسد في منتصف السبعينيات إبان دخوله إلى لبنان لضرب الحركتين الوطنيتين اللبنانية والفلسطينية، وعندما ارتكب مجزرة تل الزعتر ضد الفلسطينيين في لبنان في عام 1976". ويضيف أبو هاشم: "كان مخيم اليرموك يرفع صوته ضد جرائم الأسد الأب في لبنان، وتعرض أبناؤه في تلك الفترة إلى ملاحقات من قبل أجهزة النظام الأمنية".

يشير أبو هاشم إلى أنه أثناء الخلاف بين قيادة منظمة التحرير الفلسطيني وبين حافظ الأسد، كان المخيم واضحاً في تأييده وانحيازه لقيادة المنظمة، ودافع عن موقفها في وقوفها أمام محاولة الأسد الهيمنة على القرار الفلسطيني. ويلفت إلى أن اليرموك كان في الثمانينيات والتسعينيات أحد أهم الملاذات للمعارضين السوريين، مضيفاً: "كان المخيم حاضنة للمعارضين، إذ كان أهل المخيم يحمونهم، ويؤمنون لهم المساعدة الممكنة، وهذا أمر كان يزعج النظام".

ويؤكد الناشط الفلسطيني أن مخيم اليرموك وقف إلى جانب الشعب السوري في ثورته ضد النظام عام 2011، مضيفاً: "فتح أهالي المخيم بيوتهم أمام النازحين من أبناء المناطق المجاورة، وبلغ عدد النازحين إلى المخيم في عام 2012 نحو نصف مليون جاؤوا من ريف دمشق، ومن مدينة حمص". ويوضح أن النظام تنبّه في بداية الثورة إلى أهمية المخيم "فقام بخلق ما يُسمّى باللجان الشعبية المسلّحة لقمع أهل المخيم، ملاحقة النشطاء السوريين والفلسطينيين داخله"، مضيفاً: "ظهرت مليشيات الشبيحة التابعة للقيادة العامة التي يتزعمها أحمد جبريل، ومليشيات أخرى، وهو ما أدى إلى دخول الجيش السوري الحر في أواخر عام 2012، لحماية المدنيين في المخيم، فيما اتخذ النظام من دخول الجيش الحر إلى المخيم ذريعة لحصاره وقصفه طيلة سنوات، قبل أن يدخل تنظيم "داعش" إلى المخيم في إبريل/نيسان 2015، فكان سبباً آخر لدى النظام لتدمير المخيم بشكل كامل".

أما عن تدمير المخيم اليوم، فيرى أبو هاشم فيه رسالة واضحة من نظام الاسد لـ"إسرائيل" فحواها "أني أقوم بتخليصك من عاصمة الشتات الفلسطيني"، إذ "كان مخيم اليرموك يُعتبر الأخطر من قِبل "إسرائيل"، وهدد أرئيل شارون المخيم عام 1982 إبان غزوه لبنان، بقوله: "لك يوم يا مخيم اليرموك"، وذلك بسبب وجود عدد كبير من شباب مخيم اليرموك يواجهون الجيش "الإسرائيلي" في لبنان، وبسبب سحل أسرى "إسرائيليين" في شوارع مخيم اليرموك في ذلك الوقت". ويختم أبو هاشم بأنه "عبر تدمير مخيم اليرموك يكون الأسد "الخادم الأمين" لمصالح "إسرائيل"، وتحقيق هدفها بتصفية قضية اللاجئين من خلال إزالة مخيم اليرموك والمخيمات الفلسطينية الأخرى في سورية".

 

 

أبو هاشم: عبر تدمير مخيم اليرموك يكون الأسد "الخادم الأمين" لمصالح "إسرائيل"

 

وأحصت "مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية" مقتل 3521 فلسطينياً منذ اندلاع الثورة السورية في مارس/آذار 2011 ولغاية يونيو/حزيران 2017 داخل سورية، نتيجة الأعمال القتالية أو الحصار أو التعذيب حتى الموت داخل السجون والمعتقلات، أو خارج سورية على دروب الهجرة، أو دول الشتات الجديد، مشيرة إلى أن العدد الحقيقي للضحايا ربما يكون أكثر. وأشارت إلى مقتل 1868 داخل المخيمات والتجمّعات الفلسطينية، موضحة أن مخيم اليرموك "تصدّر قائمة الضحايا، وذلك بسبب المعارك التي شهدها والحصار المستمر منذ يوليو/تموز 2013".

وتضم سورية العديد من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وإضافة إلى اليرموك، يبرز مخيم درعا جنوب سورية، والحندرات، والنيرب في حلب شمال البلاد، ومخيم الرمل في اللاذقية على الساحل السوري، إضافة لمخيمات عديدة في ريف دمشق، وفي حمص وحماة. وكان عدد اللاجئين الفلسطينيين في سورية يبلغ عام 2011 أكثر من 600 ألف، وفق وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، موزعين في عموم سورية. وتؤكد مصادر مطلعة أن نحو نصفهم باتوا خارج سورية على مدى سنوات الأزمة، مشيرة إلى أن ما بين 100 إلى 120 ألفاً باتوا في بلدان أوروبية، خصوصاً ألمانيا والسويد، إذ شهد عام 2015 أكبر موجة لجوء من سورية إلى أوروبا عبر قوارب الموت في البحر المتوسط انطلاقاً من تركيا. وتوضح المصادر أن جلّ أهالي مخيم اليرموك باتوا خارجه، مشيرة إلى أن عدد سكان مخيم درعا كان 50 ألفاً، أكثر من 30 ألفاً نزحوا عنه نتيجة الأعمال القتالية باتجاه الأردن. وتؤكد أن نحو 12 ألف فلسطيني ما زالوا في معتقلات النظام السوري، مشيرة إلى أن عدداً كبيراً من المعتقلين الفلسطينيين قضوا تحت التعذيب مثلهم مثل المعتقلين السوريين.

 

 

المصدر : العربي الجديد

9/8/1439

25/4/2018




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع