حديث ((حسين مني وأنا من حسين((.

عدد القراء 13378

من مكنون الفتاوى والدرر للإمام العلامة أحمد بن حجر رحمه الله تعالى

 

 

سئل رحمه الله تعالى عن حديث ((حسين مني وأنا من حسين((.

 

فأجاب :«هذا الحديث لم يخرجه البخاري ولا مسلم ولا أبو داوود، ولكن أخرجه الترمذي عن يعلى بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ((حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط)) قال الترمذي: هذا حديث حسن.

معنى الحديث والله أعلم كأنه صلى الله عليه وسلم علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم، أعني يزيد بن معاوية وأميره عبيد الله بن زياد، وما جرى من يزيد وأميره على الحسين من تلك الوقعة المشهورة التي أسفرت عن قتل الحسين سنة إحدى وستين هجرية، فلذلك خصه الرسول صلى الله عليه وسلم بالذكر، وبين أنه والحسين كالشيء الواحد في المحبة وحرمة التعرض له ومحاربته، وأكد ذلك بقوله (( أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط)) أي من أولاد أولاده، لأنه ابن فاطمة رضي الله عنها، أي هو أمة من الأمم في الخير والصلاح.

قال بعض أهل العلم: يحتمل أن يكون المراد هاهنا -أي من كلمة السبط- أنه يتشعب منه قبيلة، فتكون من نسله خلق كثير، فيكون إشارة إلى أن نسله يكون أكثر وأبقى، وكان الأمر كذلك. انتهى.

ثم اعلم أيها السائل أني فهمت من كتابك أن بعض الشيعة يحتجون عليكم بهذا الحديث وأمثاله ويناقشوكم، فافهم وجاوبهم أن أهل السنة والجماعة يرون حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأصحابه فرضاً محتماً، ولذلك قالوا: الصلاة على النبي وعلى آله فرض في التشهد الأخير، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضائل آله وأهل بيته وأصحابه، ولاسيما عن الحسن والحسين رضي الله عنهما.

ومن تلك الأحاديث الواردة في فضلهما، ما رواه الترمذي عن أسامة بن زيد قال: طرقت النبي ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو، فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه، فقال))هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما((  قال الترمذي هذا حديث حسن.

وجاء في الترمذي وغيره أن رجلاً من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية البخاري في الأدب: سأل رجل عن المحرم يقتل الذباب، فقال ابن عمر ذلك القول، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الحسن والحسين هما ريحانتي من الدنيا((  قال الترمذي هذا حديث صحيح.

والأحاديث في فضائلهما كثيرة، فإن كانت الشيعة تعتقد أن أهل السنة لا يحبون علياً وأولاده وذريته فهذا كذب واضح، بل أهل السنة يجبون آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأصحابه.

ولكن المحبة قسمان: محبة طبيعية، كمحبة الأب لابنه، والابن لأبيه، ومحبة دينية، فالمسلم يجب عليه أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكونه رسولاً من الله، ومن أجل أنه قد أنقذ البشرية من ظلمات الكفر والشرك والوثنية، ولأن السعادة في محبته المتمثلة في إتباعه واقتفاء شريعته، لا مجرد كلام باللسان وبقول اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه والغلو فيه، بل يتبع أمره ولا يخالف الرسول في شيء من الأمور، سواء كانت موافقة لطبعه أم لا.

والصلاة على الرسول سنة مؤكدة لكنها وحدها لا تكفي بدون عمل، وكذلك دعوى محبة الرسول بدون أن تقترن بالعمل الصالح وإتباع السنة لا تفيد ولا تنجي العبد من النار.

وحب آل الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الأساس، لكونهم من أولاده، لأنهم من نسل فاطمة، فيجب على المسلم محبتهم وتوقيرهم، ولا شك أن من يبغضهم ليس له حظ في دين الإسلام، ولكن دعوى المحبة وإظهار الغلو والشرك بالله بنداء علي أو الحسين أو العباس يطلب منهم تفريج الكربات وكشف الملمات، والنذور إليهم، والحلف بهم وما إلى ذلك من أفانين الشرك، بدعوى المحبة فيهم، فهذه دعوى مردودة وغير مقبولة، ولا ينجي الإنسان إلا الإيمان والعمل الصالح، ولا يكون العمل صالحاً إلا إذا كان موافقاً لأمر الله وأمر رسوله.
أما البدع والضلالات، وإن سموها حب آل البيت أو حب الأولياء أو حب الصالحين، فليس لها أصل في الدين، ويتبرأ منها سيد المرسلين.

ثم إن ما كل من قال أنا سيد ومن أولاد فاطمة يكون صادقاً، فأكثر هؤلاء المدعين كذبة فجرة، يريدون سلب أموال الناس باسم الخمس والزكاة، وتحت ستار كونهم من أهل البيت النبوي.

الخلاصة: أن أهل السنة والجماعة يحبون آل بيت رسول الله كما يحبون الصحابة، ولكن لا يغلون كغلو الشيعة، ولا يصرفون لهم شيئاً من العبادات، وليس هذا تنقيصاً لقدرهم، بل هذا هو الواجب على كل مسلم.

وإن كانوا يريدون أن مثل هذه الأحاديث تكون حجة على إمامة علي وأولاده، وإن خلافة غيره باطلة، فهذا من الباطل بمكان لا يخفى، لأنه كما وردت الأحاديث في فضائل علي وفاطمة، والحسن والحسين .

فقد وردت أيضاً في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وسائر العشرة المبشرة وجميع الصحابة على العموم، فمن شاء ذلك فليرجع إلى كتب الأحاديث ليرى مناقب الجميع وفضائلهم.

وإن كانوا يريدون بهذا الحديث فضل الحسين رضي الله عنه، وأنه مع هذا الفضل ومحبة الرسول له قد قتلوه ظلماً وعدواناً، فهذا صحيح، والقاتل ومن ساعد في قتله ظالم فاجر، قد ارتكب أكبر الظلم بعد الشرك بالله.

ومن الذي يرضى بما فعله ابن زياد وأعوانه؟! لا يرضى بهذا مسلم أبداً، ولا أظن أن يرضى به كافر، فقد جوز بعض أهل العلم لعن قاتل الحسين، لكن نحن نسأل من الذي كتب إلى الحسين حتى أتى به من مكة إلى العراق بحجة أنهم بايعوه خليفة عليهم ولا يريدون خلافة يزيد، ولا إمارة عبيد الله بن زياد، ثم خذل مسلم بن عقيل أولاً، ثم دخل في جيش ابن زياد محارباً للحسين بن علي.

الجواب الذي لا عدول عنه باتفاق المؤرخين والسنة والشيعة: أنهم أهل الكوفة، وكانوا من شيعة علي قد كتبوا إلى الحسين عشرات من الرسائل إن لم نقل مئات، يستحثونه إلى القدوم عليهم، فأرسل مسلم بن عقيل ليأخذ البيعة له من أهل الكوفة، فبايعوا الحسين بواسطة مسلم، ثم لما تعقبه ابن زياد تخلوا عنه حتى حمته عجوز في بيتها، وكان لها ابن فاجر، فأخبر ابن زياد بوجود مسلم بن عقيل فأخذه وقتله بمحضر من الشيعة، ثم جاء الحسين وحاربت أهل الكوفة الحسين بن علي في جيش عبيد الله بن زياد، فما ذنب أهل السنة؟!

وإن كانوا يريدون بهذا الحديث أن الحسين مختص بهذه المنقبة العظيمة)) حسين مني وأنا من حسين((.

فالجواب: قد ورد مثل هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لغير الحسين بن علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي))أنت مني وأنا منك(( وهو حديث صحيح،  وقال: ))إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلت نفقة عيالهم في المدينة، جمعوا ما كان معهم في ثوب واحد، ثم قسموه بينهم بالسوية، هم مني وأنا منهم((.

وإن كانوا يريدون بهذا إقامة المآتم في شهر محرم، وضرب الصدور وشق الجيوب، فهذا من البدع المحدثة الضالة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وسر المسألة أن فضائل الشخص لا تكون دليلاً على خلافته وإمامته، ولا على إقامة المآتم والأحزان بقتله أو موته، وإنما تدل على محبته وأنه ينبغي حبه وتوقيره والاقتداء بهديه بما لا يخالف الكتاب والسنة، ولو أردنا أن نتكلم عن هذا الحديث وما ترمي إليه الشيعة من أهداف، لطلب منا كتاباً كبيراً، ولكن في هذا القدر كفاية، وصلى الله على خير خلقه، وعلى آله وصحبه وسلم.




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع