مجزرة دوما: انطماس العدالة عند غياب التقوى

عدد القراء 734

أسامة شحادة

21-8-2015

مرّت جريمة نظام بشار الأسد بحق أبرياء مدينة دوما وأطفالها، مرور الكرام! فبرغم أنه قصف بالقنابل الفراغية سوق المدينة المحاصرة منذ ثلاث سنوات، والتي يموت أهلها يومياً من الجوع والعطش، وأوقع هذا القصف ما يزيد على مائة قتيل من الأبرياء والأطفال والنساء وثلاثمائة من الجرحى، إلا أن ضمير العالم لم يهتز، ولم يكفّ الطغاة من أمثال خامنئي وسواه عن التمسك ببقاء بشار!

ولم تحظَ هذه الدماء البريئة باهتمام العالم وإعلامه إلا على استحياء، فصدر بيان استنكار عن الأمم المتحدة، مرفق بتأييد مجلس الأمن لخطة سلام في سورية تجامل الأسد، ولن يكون مصيرها إلا الإهمال لعدم نية الأخير السلام، ولعدم نية العالم معاقبته على جرائمه!

وهذه الحال من رعاية الإجرام والقتل منهج للعالم مستمر، طالما أن الضحية هي من المسلمين. فها هم المسلمون في فلسطين تهاجمهم قطعان المستوطنين اليهود بحماية الجيش فتدنس المسجد الأقصى وتحرق مساجدهم ومساكنهم وأبناءهم، ولا ينزعج العالم ولا يقلق الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون؛ وها هم المسلمون يُقتلون في أفريقيا الوسطى على يد مليشيات مسيحية متطرفة مدعومة من القوات العسكرية، من دون اكتراث من المجتمع الدولي؛ وها هم المسلمون يُقتلون ويُذبحون ويُحرقون في بورما على يد المليشيات البوذية المتطرفة مدعومة بالقوات العسكرية أيضا ولا يرف للعالم جفن!

بينما تنظيم "داعش"، هذا اللعبة التي نَصيب الأعداء فيها أكبر من نصيب المغفلين من المسلمين، تقوم الدنيا لعملياته وإرهابه، ويتجمع من أجله الخبراء، وتصدر بشأنه القرارات الدولية التي لا تُحفظ في الأدراج كحال القرارات الدولية ضد جرائم إسرائيل وإرهابها، لا؛ هذه قرارات تنفذ وفوراً!

هذه السياسة الظالمة ضد المسلمين، على اختلاف بلدانهم ولغاتهم وعرقياتهم، سياسة ثابتة وأصيلة، دافعها الأول هو العداء للإسلام والمسلمين بوصفهم العدو الخطير الذي يهدد عروش أعدائهم وسلطتهم. فالمسلمون لأنهم مسلمون، لا يَقبلون بعبادة غير الله عز وجل، ولا طاعة إله سواه، وهذا يتصادم بشكل مباشر مع الآلهة الباطلة والمزيفة التي تقبل بالظلم للبشر، وسرقة أموالهم وأعراضهم وخيراتهم، واستعبادهم للشهوات والشبهات، بينما الإسلام ودين التوحيد، يحث الناس على رفض الظلم والدفاع عن أموالهم وأعراضهم وخيراتهم، والاستكبار عن عبودية غير الله عز وجل.

قال تعالى في بيان مدى حقد الفجار والكفار على أهل الإيمان: "قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (البروج، الآيات 4-9).

وكأن هذه الآيات تصور لنا المشهد الذي نعيشه، وكأنه تكرار لما يصنعه الطغاة المجرمون عبر التاريخ بأهل الإيمان. فالمؤمنون والمسلمون اليوم أصحاب الأخدود؛ يُقتلون من دون جريمة وذنب. فأي شيء ارتكبه أهل فلسطين حتى تصادَر أراضيهم ويقتل رجالهم ونساؤهم وأطفالهم وتنتهك مقدساتهم؟ وما هي جريمة المسلمين في بورما؟ وما هي جريرة أهل الإسلام في أفريقيا الوسطى؟ وماذا صنع أهل دوما إلا قولهم "مالنا غيرك يا الله"؟ ما هي جريمتهم أيها العالم العلماني المادي؟ أهذه هي قيم الحداثة والديمقراطية التي تختبئون خلفها؟!

وكحال أهل الأخدود، تُشعل النيران فرادى وجماعات في أهل بورما وأفريقيا وفلسطين والشام والعراق من المسلمين؛ فكل القنابل الحارقة المحرمة تستخدم ضد المسلمين. وهذا العداء للمسلمين لا يقتصر على بلد أو دين أو أيديولوجية، بل يشترك فيه الجميع وكل بحسبه.

وتجري هذه الجرائم والمجازر بحق المسلمين والمؤمنين في كل وقت ومكان، والمجرمون قاعدون يتفرجون ويشاهدون ويشهدون، سواء كان هذا التفرج في مكان الجريمة من قبل المجرمين المباشرين، أو من قبل شركائهم في المحافل الدولية والقصور الرئاسية وقاعات اللقاءات الدبلوماسية التي تجتهد في حماية المجرم ورعايته والحفاظ عليه تحت شعار "مشاركة الأطراف كافة في الحوار والتنمية وبناء المستقبل"!

قارنوا بين إجماع العالم على نبذ "داعش" وأخواته من أي حوار، وبين الموقف المعاكس تماماً من الإصرار على إشراك بشار والمليشيات الطائفية في العراق واليمن في العملية السلمية، مهما فاقت جرائمهم جرائم "داعش"، ومهما تجاوزت ضحاياهم آلاف المرات ضحايا "داعش"!

إن مجزرة أهل الأخدود قديماً، ومجزرة دوما وأخواتها حديثاً، تؤكد لنا ارتباط العدالة في العالم بوجود التقوى فيه، فإذا لم تعم التقوى قيادة العالم لن ينعم العالم بالأمن والسلام. ولقد جرب العالم حكم المسلمين له بالتقوى، فنعمت البشرية بالعدالة والأمن والخيرات.

اسألوا التاريخ: هل شهد العالم مجازر بشعة وحروبا عالمية إلا في ظل حكم العلمانية وغياب التقوى؟ واسألوا التاريخ: هل أمنت الشعوب على خيراتها وثرواتها إلا في ظل حكم الإسلام بالتقوى؟

واسألوا التاريخ: هل أمنت الشعوب من الإبادة بعد خسارتها الحروب إلا في ظل حكم التقوى الإسلامي؟

كانت هذه هي الحال من قرون قريبة، وسيعود حكم التقوى للعالم، ويعم البشرية العدل والأمن والرخاء. وقد لخص المسلمون هذه الحكمة العالية بقولهم: التقوى أقوى.

المصدر : صحيفة الغد




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع