ماهي حقيقة اللقاءات السرية بين الكيان الصهيوني ونظام القمع في دمشق

عدد القراء 88

محمد فاروق الإمام – مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية

 حدثني صديقي وزميلي الأستاذ أسعد العزوني الذي عملت معه لنحو 15 سنة في جريدة "العرب اليوم" الأردنية، والزميل يحمل الجنسية الأردنية وهو فلسطيني الأصل، حدثني أنه وفي تحقيق له أجراه في مدينة الناصرة الفلسطينية المحتلة من قبل العصابات الصهيونية، أنه وهو يتابع عمله الصحفي لفت انتباهه في أحد البيوت التي دخلها وكانت تقطنها عائلة يهودية، أن هناك صورة كبيرة للرئيس حافظ الأسد مثبتة بشكل لافت في صالون البيت، مما أثار فضوله وسأل عجوزاً كانت هي صاحبة البيت، وكانت تجلس أمامه: كيف ترفعين صورة حافظ الأسد وهو الذي يهددكم صباح مساء بالزوال؟ فضحكت العجوز قائلة: إن هذا ابن أختي وهو من يحمي حدودنا الشمالية ويمنع أي اعتداء علينا!

وقائع التاريخ تشهد وتؤكد ما قالته العجوز اليهودية

*في عام 1967 أعلن "الفريق" حافظ الأسد، وزير الدفاع، سقوط مدينة القنيطرة، وعدد من أبرز مرتفعات الجولان، حتى قبل أن تطأها قدم جندي "إسرائيلي" محتل.

*1973، وافق النظام على قرار "مجلس الأمن الدولي" رقم 338، وحال دون تقدم الجيش العراقي الذي خف لنجدة سورية بالتوجه إلى الجولان، وكان بذلك يعترف عملياً وحقوقياً بأنّ دولة الاحتلال جزء لا يتجزأ من تكوين المنطقة ومن نظام الشرق الأوسط السياسي والجغرافي.

*1974 لم تُطلق في هضبة الجولان طلقة واحدة تهدد صيغة «السلام التعاقدي» المبرمة تحت الخيمة الشهيرة في الكيلو 54، طيلة نصف قرن.

*بعد 1976 أيّد النظام قرار "مجلس الأمن الدولي" الذي يدعو إلى «ضمانات حول سيادة، ووحدة أراضي، واستقلال جميع الدول في المنطقة»، و«الاعتراف بحقّ هذه الدول في العيش بسلام داخل حدود آمنة معترف بها».

*1982، وافق النظام على مبادرة الملك فهد وخطّة الجامعة العربية التي اعترفت عملياً بحقّ الكيان الصهيوني في الوجود (مع الإشارة إلى أنّ ذلك الاعتراف لم يرضِ دولة الاحتلال آنذاك).

*1991، أرسل النظام مندوباً إلى مؤتمر مدريد.

*1994، أقامت واشنطن «قناة السفراء» بين سفير النظام وليد المعلم، والسفير الصهيوني إيتمار رابينوفتش.

في السنة ذاتها عُقدت اجتماعات بين رئيس أركان جيش النظام، حكمت الشهابي؛ ورئيس أركان جيش الاحتلال، إيهود باراك، ليقوم في ما بعد الدبلوماسيان الأمريكيان دنيس روس ومارتن إنديك بجولات مكوكية بين دمشق والقدس المحتلة، لمتابعة تفاهمات واشنطن.

*1999، مفاوضات شبردزتاون، بين وزير خارجية النظام فاروق الشرع ورئيس الوزراء "الإسرائيلي" إيهود باراك، برعاية أمريكية؛ في غمرة تركيز من النظام على ما سُمّي بـ«وديعة رابين».

*"آذار (مارس)" 2000، قبيل وفاته بنحو ثلاثة أشهر، تم لقاء الأسد الأب مع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون في جنيف.

*2004، نشرت تقارير عن مفاوضات سرية، غير مباشرة، يتولاها الدبلوماسي الأمريكي جيفري أهرونسون ورجل الأعمال السوري إبراهيم سليمان.

لماذا، والحال هذه، فشل الطرفان في التوصل إلى "اتفاقية سلام"؟

بعض الإجابة يرتد إلى سبب جوهري حكم تفكير الأسد الأب منذ مقتل باسل، ابنه والوريث المفضّل غير المتوّج، واضطراره إلى تعديل برنامج التوريث ونقله إلى بشار، وسط سباق محموم انطوى على عامل الصراع ضد سلسلة أمراض فتاكة لم تكن تمهل الأسد الأب وقتاً كافياً للطبخ على نيران هادئة. وهكذا توجّب الحسم حول واحد من خيارين، كلاهما حمّال مجازفات ومخاطر:

1) عقد "اتفاقية سلام" مستعجلة مع دولة الاحتلال، في حياة الأسد الأب، لن تجلب للنظام ما يحتاجه من مكاسب وضمانات لقاء هكذا خيار ستراتيجي.

2) التفرّغ، بدل ذلك، للمهمة الأكثر إلحاحاً وضرورة، أي ترتيب البيت الداخلي على أفضل وجه ممكن يتيح وراثة سلسة أمام فتى غير مجرّب وغير مرغوب به من حرس أبيه القديم، وسط غابة من ذئاب النظام وضباعه.

ما هي وديعة رابين التي كثيرا ما كان النظام يتحدث عنها؟

في الإطار الأعرض، الذي اتضح أكثر في نظر الأسد الأب بعد لقاء جنيف مع كلنتون، بدا أنّ «وديعة رابين» ليست سوى رسالة غير مكتوبة حملها وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر، غير مُلزمة للجانب "الإسرائيلي"؛ ولكنّ الأسد الأب تلكأ في اغتنام تلك الفرصة، ثمّ عاد إلى التشبث بها بعد أن حمّلها أكثر مما تحتمل من أثر في أقنية التفاوض. كذلك لوّح "الإسرائيليون" بنفض الغبار عن خرائط ما قبل عام 1949، للمساجلة بأنّ القوّات السورية احتلت بالقوّة أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية، واحتفظت بها حتى العام 1967 حين «حرّرتها» القوّات "الإسرائيلية". وإذا كانت سورية تزعم شرعية سيادتها على هذه الأراضي لأنها احتفظت بها طيلة 18 عاماً، "فلماذا لا يحقّ لدولة الاحتلال أن تزعم شرعية السيادة على الأراضي ذاتها التي احتفظـــت بها طيلة 32 سنة، أي منذ عام 1967؟".

 

ما الذي يجبر دولة الاحتلال عقد "اتفاقية سلام" مع نظام متهالك؟

 

في خلاصة القول، ما الذي يجبر دولة الاحتلال على عقد أية "اتفاقية سلام" مع آل الأسد، والنظام في وضعه الراهن محض تابعية متشرذمة بين موسكو وطهران، وسلاح الجوّ "الإسرائيلي" يسرح ويمرح متى شاء وحيثما شاء في عمق الأراضي السورية، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بات الضامن شخصياً لأمن الاحتلال الصهيوني في الجولان، وعناصر الجيش الروسي شاركت في إعادة إحياء اتفاقية فصل القوات في الجولان بالرغم من وضوح بنود الاتفاقية التي تحظر على جيوش الدول دائمة العضوية في "مجلس الأمن" المشاركة في أية مهامّ هناك…؟ لا شيء، بالطبع، بل لعلّ من الحماقة الطوعية أن يفكر أيّ مسؤول "إسرائيلي" في إقامة أيّ تعاقد مع هكذا نظام، ما دام تعاقد الأمر الواقع هو السيد والفاعل.

 

واشنطن كانت دائماً راضية عن نظام الأسد ومعاقبته هي قرصة أذن

 

وإذا ما وضع المرء جانباً حقائق علاقة الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع نظام الأسد في سياقات عربية عريضة أولاً (مثل انضمام جيش النظام إلى تحالف «عاصفة الصحراء»، أو تطويع "الحركة الوطنية اللبنانية" والمقاومة الفلسطينية)؛ أو في سياق الموقف من دولة الاحتلال والحقوق الفلسطينية. وبهذا المعنى فإنّ لجوء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى قرص أذني الأسد، أو حتى وصفه بـ«الحيوان»، ليس سوى قرصة أذن في تراث طويل من الرضا الأمريكي عن النظام، والتصديق على خيار آخر ثمين لدى إدارات البيت الأبيض هو الرضا الصهيوني عن النظام.

فأيّ عجب في أن تستميت دولة الاحتلال دفاعاً عن آل الأسد، وأن تجد في نظامهم الراهن الحارس الأشدّ يقظة على مصالحها في الجولان المحتل، وفي… سائر سورية؟

 

تبادل المنافع بين الكيان الصهيوني ونظام الأسد

 

أدوار تبادل المنافع واضحة، لا غموض فيها ولا لبس، يحدوها رهان، ولنقل اتكاء، قديم للسلطة السورية على رضا دولة الاحتلال، لضمان بقائها واستمرارها، متوسلة تسويق نفسها بصفتها أفضل حام لاستقرار الحدود؛ مرة لتجنب حرب مباشرة قد تضعف ركيزتيها العسكرية والأمنية، ومرة ثانية، لأنها تدرك أن حكام "تل أبيب" يتحسبون من أي تغيير في سورية قد يهدد مصالحهم وأمنهم، وأن لهم كلمة قوية في أوساط المجتمع الدولي حول مستقبل الأوضاع في بلد يجاورهم ويحتلون جزءاً من أرضه، ولا يغير هذه الحقيقة، تفعيل نظام دمشق، بين آونة وأخرى، أدواته السياسية والإعلامية، لإثارة موضوع الجولان المحتل وتنشيط العداء للكيان الصهيوني، وتوظيف ذلك ورقةً لتمرير «شرعية وطنية» تمكنه من تسويغ سيطرته على اقتصاد البلاد والاستئثار بثرواتها، وأيضاً لتغذية اصطفافه مع ما يسمى «محور الممانعة» ولابتزاز بعض الدول العربية، والأهم لتسويغ قمعه وتطويعه؛ ليس فقط المجتمع السوري الذي عانى الأمرّين قهراً وتمييزاً من وطأة زيف الشعارات الوطنية، وإنما أيضاً قوى فلسطينية ولبنانية وتسخيرها لتحسين نفوذه الإقليمي، حتى وإن وصل الأمر، في بعض المحطات، لخوض معارك وحروب بالوكالة.

 

حكام "تل أبيب" كان خيارهم المفضل بقاء نظام آل الأسد

 

لقد كان النظام الأسدي نظاماً مجرباً حافظ على جبهة الجولان آمنة ومستقرة طيلة عقود، وكان على الكيان الصهيوني دعمه ليبقى ويستمر؛ إنْ لتخفيف العبء العسكري والأمني الواجب عليهم لحماية الحدود وضمان استقرارها، وإنْ بدافع من مصلحتهم العميقة في استمرار الاستبداد والفساد وسيلةَ حكم في سورية بما يلجم حضور المجتمع الحي في المشهد، يحدوهم عداء أصيل لقيام نظام هناك يمكن أن يحدث تبدلاً استراتيجياً في الوضع القائم ويحمل فرصة النهوض بالبلاد وتعزيز قدرتها على المطالبة الجدية باستعادة الأرض المحتلة؛ الأمر الذي أشار إليه بوضوح أحد المسؤولين الصهاينة بأن ما جرى ويجري في سورية لا يقدّر بثمن، وبأنه ليس ثمة ما يجعل السوريين ينسون الجولان المحتل، سوى أن يغرقوا حتى آذانهم في مثل ذلك العنف والتفكك والخراب!

 

الكيان الصهيوني كان على الدوام يحذر من نجاح الثورة

 

من هذه القناة يمكن النظر إلى تحذيرات صريحة أثارها قادة الكيان الصهيوني حول مخاطر انتصار الثورة السورية على أمن دولتهم، وإلى نصائح قدموها للبيت الأبيض لتخفيف الضغط على النظام وتركه لشأنه، وللجم الاندفاع نحو تقديم دعم عسكري نوعي للمعارضة السورية يمكنه تعديل موازين القوى، وأيضاً إلى مسارعتهم لإعلان تأييدهم الكامل التدخل العسكري الروسي، وقبله غض نظرهم عن الدور الإيراني وعن الدخول الكثيف لـ«حزب الله» في الصراع السوري، ولا يغير هذه الحقيقة؛ بل يؤكدها، رهانهم على النزاع المذهبي في النيل من أهم كوادر «حزب الله» والإجهاز على ما تبقى من سمعته السياسية كـ"حزب مقاوم"، كما لا يغيرها التفاتهم نحو تحجيم نفوذ إيران في سورية بعد تنامي الوزن العسكري الروسي، عبر ضربات جوية طالت أهم مواقع «الحرس الثوري» في أرياف دمشق ودرعا وحمص واللاذقية، لمحاصرة تمدده، ومنع وصول أسلحة متطورة إلى «حزب الله» قد تبدل المشهد العسكري القائم.

 

المفاوضات السرية بين النظام والكيان الصهيوني أمر حاصل

 

أعتقد أنه لا دخان بلا نار، وربما هو خبر صحيح ما أثير حول حدوث مفاوضات سرية بين الكيان الصهيوني ونظام الأسد، أو وجود ضغط من موسكو على دمشق لفتح ملف التفاوض مع "تل أبيب"، وربما صحيح أيضاً أن نظام دمشق الضعيف والمحاصر، يحتاج اليوم؛ أكثر من أي وقت مضى، لطرق البوابة الصهيونية بوصفها مدخلاً سريعاً ومضموناً لتخفيف الحصار وتمهيد الطريق للانفتاح على الغرب وإعادة تأهيله دولياً، لكن الصحيح أيضاً أنه في ضعفه وارتهانه لا يزال يحتاج إلى الديماغوجية الوطنية لتسويق نفسه شعبياً ولتمرير اصطفافه المريب مع إيران وجرائمه الشنيعة بحق الشعب السوري، مما يفسر تحريك معاركه الإعلامية ضد التسويات المنفردة، والعودة للتشديد على "الحل الشامل ومبدأ الأرض مقابل السلام"؛ شرطاً للتطبيع.

 

الكيان الصهيوني امتنع عن تقديم أي تنازلات وكان النظام في أوج قوته

فكيف يعطي الآن والنظام في أسوأ حالاته من الضعف والهوان؟

 

يدرك الجميع أنه لا أفق لتسوية تعيد الجولان لسورية، فالدولة العبرية لن تعطي النظام في ضعفه ما لم تعطه وهو في أوج قوته، كما أن ميلها للتطبيع معه بوصفه بوابة للانفتاح على العالم العربي قد فقد اليوم كثيراً من قيمته، بعد الإعلان عن بدء ترسيم الحدود مع لبنان، وإذا أضفنا حقيقة أن ليس ثمة ما يشي بحدوث تبدل في التوافق الضمني بين حكام دمشق وقادة "تل أبيب"، وفي عراقة تبادل المنافع بينهم، فلا يجانب الصواب من يسأل: ما الحاجة إذن للمفاوضات بين سورية و"إسرائيل"؟!

 

المصادر

*القدس العربي-9/9/2018   

*آي 24 نيوز-27/9/2020  

*العربي الجديد-26/10/2020  

*الشرق الأوسط-16/10/2020 

*صحيفة المدينة-28/9/2012

 

 

المصدر : مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية

6/6/1442

19/1/2021

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع