نظرات نقدية لبعض ما جاء في كتاب محمد بن المختار الشنقيطي : " أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية " من تحريفات وأخطاء فادحة وأبرزها تمجيد ماضي الرافضة الإمامية وافتعال بطولات كاذبة لهم في جهاد الصليبين. وتشويه رموز وقادة أهل السنة – الجزء الثامن والأخير

عدد القراء 43

تشويه صورة صلاح الدين.

الفصل الأخير من كتاب محمد بن المختار الشنقيطي " أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية " عنوانه : ( حُمَّى التاريخ : صلاح الدين الأيوبي في الحِجاج السنيِّ الشيعيِّ ).
معظم هذا الفصل المكون من 37 صفحة ، يُسيء إلى صلاح الدين إساءات بالغة ، بحيث لو قرأه مسلم سنّي بسيط - لا يعرف تاريخ صلاح الدين - لخرج منه بصورة مشوهة ، بل وبشعور كارِه لصلاح الدين. وهدف الشنقيطي من هذا الفصل الإساءة الشديدة إلى صلاح الدين - تحت هذا العنوان المُضلل - وذلك من خلال عرض أقوال كُتّاب شيعة حاقدين ، وغير معروفين في أوساط المتخصصين في تاريخ العصور الوسطى ، سيما تخصص الحروب الصليبية ، في العالم العربي. مثل : الشيعي المصري صالح الورداني ، ومحمد جواد مغنية ، وحسن الأمين وغيرهم من شيعة لبنان، إضافة الى ما تقيؤه الشنقيطي نفسه تجاه صلاح الدين من إساءات بالغة في هذا الفصل.
وفوق هذا وهذاك فإن المقارنة غير متكافئة أصلا ، لأنها مقارنة تعني عرض رؤية مؤرخي أمة الاسلام في صلاح الدين ، مقابل عرض رؤية طائفة قليلة خرجت عن مبادئ وقواعد الإسلام. وهذا فيه من الإجحاف والظلم ما فيه!!!
ولم يعرض الشنقيطي في مقارنته البائسة نصوصاً ذات قيمة مما كتبه مؤرخو السنة. بل أجحف وطغى وبغى فعرض نصوصاً باهتة لا قيمة لها ، وترك النصوص المهمة التي تُعبر بصدق عن شخصية صلاح الدين ، ولم يقتصر بغي الشنقيطي على هذا الظلم ، بل طعن مسبقاً في مصداقية أولئك المؤرخين كما سنرى فيما بعد.
قال الشنقيطي في 235 - 236 ما نصه : ( كان صلاح الدين شخصية مركبة ، عاشت في عصر مركب. وفي الدراسات الغربية المعاصرة يوجد حوار وخلاف في تقييم الجوانب المختلفة من شخصيته ودوافعه ، أما في الجدل السنّي الشيعي اليوم حول شخصية صلاح الدين فلا تكاد توجد مساحة للتحاور والتلاقي أصلاً : فأهل السنة يرون أن صدق صلاح الدين ومثاليته أمران بدهيان لا يقبلان النقاش ، فهو الذي وحَّد العالم الإسلامي وحرّر القدس من الصليبيين ، وهو مثال للقائد الشجاع المتجرد . أما الشيعة فيرون صلاح الدين مجرد مغامر عسكري أناني ، خان أمته ، وفرط في ثقة قادته وجنوده ، وتصالح مع الصليبيين ، وهدَّ أركان أعظم الإمبراطوريات في التاريخ الإسلامي ، وهي الدولة الفاطمية).
فوصفه لصلاح الدين بأنه شخصية مركبة وصف مغرض ، اراد بذلك أنه شخصية متناقضة تحمل صفات ينقض بعضها بعضاً ، وهو ما صرح به في ص 270 وهو ما سوف أدحضه ان شاء الله اذا وصلت الى تلك الصفحة. اما وصفه للعصر الصليبي بأنه عصر مركب " متناقض " فلا اعتراض عليه لأنه كذلك ، بما فيه من صليبيين ومسلمين ، وإسماعيلية - من نزارية ومستعلية - وأرمن ، وموارنة ، ونصيرية ، ودروز ، وشيعة إمامية في جبل عامل في لبنان...الخ.
والدراسات الغربية انصفت صلاح الدين بصورة عامة. وأقرأوا كتاب الصديق د/محمد مؤنس عوض (قالوا عن صلاح الدين : شهادات من الشرق والغرب).
أما قول الشنقيطي : فأهل السنة يرون أن صدق صلاح الدين ومثاليته أمران بدهيان لا يقبلان النقاش. فهذه رؤية صحيحة لن يختلف عليها أهل السنة البتة. اما قول الشنقيطي عن أن أهل السنة رأوا او قالوا عن صلاح الدين (فهو الذي وحَّد العالم الإسلامي) فهذه فرية لم يقل بها أبداً أحد من مؤرخي السنة ، هذا من ناحية ، ومن الناحية الأخرى هذا جهل مطبق بالتاريخ الإسلامي من جانب الشنقيطي الذي لا يعرف حتى حقائقه العامة.
فصلاح الدين لم يوحد العالم الاسلامي أبداً ، لأن هذا أمر يفوق بكثير طاقته وقدرته ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، ولكن صلاح الدين أسهم مع سيده نور الدين وعمه أسد الدين شيركوه ووالده نجم الدين أيوب في بناء جبهة إسلامية متحدة تشمل الشام ومصر بهدف تطويق الصليبيين والانتصار عليهم. ولما مات نور الدين سنة 569 هجرية وكادت تلك الجبهة أن تتصدع - بسبب تسلط بعض القادة الطامعين على ابنه الطفل اسماعيل - خرج صلاح الدين الى الشام وأعاد الترابط والوحدة الى تلك الجبهة.
ولم يكن صلاح الدين يسيطر إلا على أقل من عشرة بالمئة من مساحة العالم الإسلامي الكبير. وواجه بتلك القدرات المحدودة عالماً غربياً اتحد ضده بعد حطين وتحرير القدس وجاء الغرب بجيوشه الكثيفة التي فاقت بعشرات المرات عدد جيش صلاح الدين ، الذي لم يكن يقدر في أحسن الحالات ان يحشد أكثر من أربعين ألف مقاتل. ودعونا نضرب مثالاً واحداً بجيش من تلك الجيوش الغربية التي نهضت ضد صلاح الدين في الحملة الصليبية الثالثة ردا على حطين وتحرير القدس. وهو جيش فردريك بربروسا امبراطور ألمانيا. فقد ذكر المؤرخ الألماني أرنولد لوبيك انه جرى إحصاء للجيش الألماني عند عبوره نهر الساف ، فبلغ عدده خمسين ألف فارس ومئة ألف من الرجالة. انظروا هذا جيش واحد فما بالكم بالجيوش الأخرى التي جاءت بحراً مثل جيش ملك النورمان في صقلية وجنوب إيطاليا ، والجيش الأنجليزي بقيادة ريتشارد قلب الاسد والجيش الفرنسي بقيادة فيليب أغسطس. وجيوش بقية بلدان اوربا بما فيها الدول الاسكندنافية الحالية ، التي كان يُطلق عليهم يومذاك ، اسم الدانيين.
وصلاح الدين وحده في الميدان ، فأسيا الصغرى كانت خاضعة لدولة سلاجقة الروم وامكاناتها البشرية والمادية تضاهي امكانات صلاح الدين ، ولم تُقدم له أية مساعدة ، بل سمحت لفردريك بربروسا بالعبور نحو الشام دون معوقات. والمغرب العربي كله ومعظم الأندلس كانت تخضع لدولة الموحدين التي تفوق في قدراتها المادية والبشرية بكثير قدرات صلاح الدين ، ولم تقدم لصلاح الدين أية مساعدة رغم استنجاد صلاح الدين بملكها ابن عبد المؤمن ، فلم يُقدم له أية مساعدة. والدولة الخوارزمية بقيادة سلطانها تكش الخوارزمي - المعاصر لصلاح الدين - كانت تملك شرق العالم الاسلامي بأكمله ، بعد ان قضت على دولة السلاجقة وامتلكت بلادهم ، وأصبحت تمتد من جبال زاجروس غربا حتى حدود الصين شرقاً. وكانت جيوشها وامكاناتها المادية تزيد على ما يمتلكه صلاح الدين بأكثر من عشرة أضعاف. ولم تقدم لصلاح الدين أية مساعدة البتة.
ومع ذلك صمد صلاح الدين بجيشه القليل وامكاناته امام جحافل أوربا المتحدة ضده ، ورابط وقاوم وصابر وصمد صمودا اسطورياً ، ونجح في منع كل تلك الجيوش الضخمة من احتلال القدس. ثم يأتي الشنقيطي وكُتّاب طائفته في لبنان فيتهمون صلاح الدين بالتناقض وخيانة أمته ، والتفريط في ثقة قادته وجنوده.
أما وصف الشنقيطي للدولة الفاطمية بأنها "أعظم الإمبراطوريات في التاريخ الإسلامي" ، وان صلاح الدين هدّ اركانها .. فيحق لنا أن نتساءل هنا : إذا كانت أعظم الامبراطوريات في التاريخ الإسلامي فلماذا تسقط وتذوب بهذه السهولة أمام صلاح الدين ؟؟؟؟؟؟ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .

ولا غرابة أن يخصص الشنقيطي فصله الأخير للإساءة لصلاح الدين ، بعد التزوير الذي اقترفه وأفصح عنه في مقدمته ، بدءأً من الإساءة المبطنة للنبي صلى الله عليه وسلم ، حيث زعم - كما رأينا - أنه "ورّث لأمته أزمة دستورية لم تُحل إلى اليوم" ، حين زعم أنها بدأت قبل دفنه - وهي التهمة نفسها التي وجهها الهالك خميني للنبي صلى الله عليه وسلم في كتابه " كشف الأسرار " ولكن الشنقيطي موهها تحت مسمى "الأزمة الدستورية". راجعوا ص 84 من هذا الكتاب محل النقد. والإساءة إلى بيعة السقيفة وكبار الصحابة الذين شاركوا فيها واعتبارها "البذرة التي أنبتت الفتنة الكبرى التي سمّاها الأزمة الدستورية". وكذبه على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وزعمه أنه كان في قرارة نفسه يرى أنه أحق بالخلافة من أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وقد فنّدنا هذه الفرية عن علي رضي الله عنه بنص جاء عن علي نفسه بسند صحيح أن الصديق هو الأحق والأجدر بالخلافة. فليس غريبا أن يُسيء الشنقيطي إلى رمز المسلمين الأول في عصر الحروب الصليبية ، صلاح الدين ، تحت هذا العنوان المضلل " صلاح الدين في الحجاج السني الشيعي "
فالسنة هم أمة الإسلام . والشيعة بطوائفها المختلفة ضمن النِّحَل التي خرجت على أمة الإسلام . وفوق هذا وذاك فما كتبه الكُتّاب الشيعة عن صلاح الدين ، وحتى بعد ظهور "الخمينية" ودعمها اللامحدود لهم ، لا يصل إلى نسبة خمسة في المئة مما كتبه المؤرخون السنة عن صلاح الدين عبر العصور ، ووضع صلاح الدين في مقارنة بين ما كتبه عنه مؤرخو الأمة وما كتبته نحلة كارهة للأمة ، هو الظلم عينه والإجحاف نفسه . ورغم ذلك نالت تلك الكتابات المسيئة لصلاح الدين النصيب الأوفر في فصل الشنقيطي الأخير.
ويكفي ان نُذكِّر هنا أن الشنقيطي لم يرجع إلى المصدر الأكبر والأوسع عن الدولة الأيوبية ، وهو مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ، لابن واصل ، والواقع في ستة مجلدات. فضلاّ عن عشرات المصادر الأخرى المهمة ، التي أغفلها.
وقد عرض الشنقيطي في ص 236 - 239 بعض أقوال قليلة لمؤرخين معاصرين لصلاح الدين مثل : القاضي بهاء الدين بن شداد ، والقاضي الفاضل ، والعماد
الأصفهاني.
ولكنه شكك - بمكر عجيب - في البداية في مصداقيتهم " رغم أنهم قضاة " حتى لا يقبل قارئ كتابه أقوالهم ويعتبرها محاباة غير صحيحة !!! فقال في ص 238 ما نصه : (فثلاثة من المؤرخين السُنّة الذين ذكرناهم كانوا من رجال بلاط صلاح الدين ، فلا غرابة أن كانوا أوفياء له ، وأن قدَّموه في في كتاباتهم بصورة مثالية).
ورغم هذا التشكيك في نزاهة هؤلاء المؤرخين القضاة ، فإن الشنقيطي لم يُقدم مما قالوه إلا صفات عادية يمكن أن يتصف بها الكثير من ملوك الطوائف في الاندلس ، وأمراء المدن والقلاع المستقلة في الشام قبيل توحيد الجبهة الإسلامية. فمثلا نقل الشنقيطي في ص 238 - 239 عن ابن شداد بعض الصفات والفضائل التي اتصف بها صلاح الدين. مثل " مواظبته على القواعد الدينية... "، وعدله ، وكرمه ، وشجاعته ، وصبره ، وحلمه ، وعفوه... ورحمته بأسير فرنجي ، وإمرأة صليبية.
وترك الشنقيطي أهم وصف وصف به ابن شداد صلاح الدين. وهي الصفة الحقيقية - كما جرت على أرض الواقع - التي أعطت صلاح الدين مكانته العظيمة والرفيعة في نفوس الأمة أبد الدهر. حيث بيّن ابن شداد في ذلك الوصف أن صلاح الدين امضى السنين الطوال في ميادين الجهاد بصورة لا تعرف الكلال أو الملل ، وأن حب صلاح الدين للجهاد ( والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً بحيث ما كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا في آلاته ، ولا كان له اهتمام إلا برجاله ، ولا ميل إلا لمن يذكره ويحث عليه . ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر بلاده ، وقنع من الدنيا بالكون في ظل خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة...). انظروا ابن شداد ؛ النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية ص 21. فقد تجاهل الشنيقطي هذا النص في كتاب ابن شداد عمدا حتى لا يُظهر عظمة صلاح الدين التي يستحقها.
فهل رأيتم أكثر من هذا الظلم الذي اقترفه الشنقيطي بحق صلاح الدين؟؟؟؟؟؟؟؟.
وقد عرض الشنقيطي في كتابه تحامُل ابن الأثير على صلاح الدين. وهذا موضوع لن نناقشه هنا لأنه قد قُتل بحثاُ قبله في كتب وبحوث كثيرة يصعب حصرها. وعلى رأس تلك البحوث بحث الأستاذ الدكتور سعيد عبدالفتاح عاشور بعنوان " دراسة حول كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير " والبحث منشور في كتاب عاشور نفسه وعنوانه " بحوث ودراسات في تاريخ العصور الوسطى " والذي نشرته جامعة بيروت العربية سنة 1977م.
وقد عالج الأستاذ عاشور تحامُل ابن الأثير على صلاح الدين بصورة دقيقة لم يستطع الشنقيطي الارتقاء إلى مستواها.
لكن العجيب أن الشنقيطي في بداية عرضه لتحامُل ابن الأثير على صلاح الدين بسبب ولائه للزنكيين حكام الموصل ذكر بأنه كتب فيهم كتابه " الباهر ". دون أن يذكر اسم الكتاب كاملا وهو " التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية " . ويبدو أن الشنقيطي أخذ كلمة الباهر من إحد المراجع ، لأنه لم يطلع على الكتاب أصلا ، بدليل أنه نسب عماد الدين وابنه نور الدين إلى آقسنقر البرسقي الذي قتله الباطنية سنة 520 هجرية - كما رأينا - وفسّر سياسة نور الدين تجاه الشيعة بأنها كانت بدافع الثأر والانتقام لمقتل جده المزعوم ، ولو قرأ التاريخ الباهر لوجد أن ابن الأثير بدأه بالتاريخ المفصل لقسيم الدولة آقسنقر الحاجب والد عماد الدين وجد نور الدين الحقيقي وولايته على حلب زمن السلطان ملكشاه ومقتله سنة 487 هجرية إبان الحرب الأهلية التي اندلعت بين السلاجقة.
وحين تحدث الشنقيطي عن المقريزي وتحامُله على صلاح الدين وتعصبه للفاطميين وتعاطفه معهم فسّر هذا التحامُل والتعاطف بأنه بدافع الانتماء الإقليمي إلى مصر حيث قال الشنقيطي ص 251 ما نصه: ( فقد انطبعت كتابات المقريزي - رغم أنه سنيُّ الاعتقاد - بتحيز شديد ضد صلاح الدين ، وتعاطف عميق مع الفاطميين ، وكان الدافع إلى ذلك أساساً هو الانتماء الإقليمي إلى مصر ) وهذا هو الهراء بعينه فلو كان دافع المقريزي هو ما ذكره الشنقيطي لرأينا هذا الدافع عند المؤرخ ابن أيبك الدواداري الذي عاش قبل المقريزي بأكثر من قرن من الزمان " توفي سنة 732 هجرية " حيث صنّف موسوعته في التاريخ " كنز الدرر وجامع الغرر " وافرد الدولة الأيوبية بجزء كامل هو الجزء السابع وعنوانه " الدر المطلوب في أخبار بني أيوب " الذي حققه سعيد عاشور وطُبع في القاهرة سنة 1391 هجرية / 1972م. وهذا الكتاب المهم لم يطلع عليه الشنقيطي الذي حكم على الدولة الأيوبية بأحكام مجحفة بدون أن يقرأ مصادر تاريخها الأساسية. والحق أن دافع المقريزي ليس الانتماء الإقليمي مثلما زعم الشنقيطي ، ولكن المقريزي يرجع في نسبه للفاطميين وهذا سر تعاطفه معهم وتحامله على صلاح الدين الذي أزال دولتهم من الوجود. وهذه حقيقة لم يصل إليها الشنقيطي ولكنها معروفة لكل المتخصصين في التاريخ المملوكي ، فقد ذكر ذلك ابن حجر في كتابه إنباه الغمر ، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة.
وانظروا أيضاً ؛ مقدمة المحقق محمد عبدالقادر أحمد عطا لكتاب المقريزي " اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا". المقدمة في بداية الجزء الاول.
أما الرحالة ابن جبير فقد طاف بمملكة صلاح الدين في مصر والحجاز وبلاد الشام وتحدث مطولا عن إنجازاته وجهاده ومآثره التي رآها على أرض الواقع ، وتحدث بالتفصيل عن قصة الغائه المكوس الظالمة التي كانت مفروضة على الناس والحجاج خلال الحكم الفاطمي. وقد اقتطف الشنقيطي من حديث ابن جبير عن صلاح عدة مقتطفات ، وذكر بعض أشعاره التي مدح فيها صلاح الدين في ص 240 - 243 . وعرض أخيرا تعليق ابن جبير على اسم صلاح الدين بقوله في ص 242 ما نصه : ( لقد رأى ابن جبير في صلاح الدين الأيوبي إسما على مسمى فقال : " سبحان الذي جعله صلاح دينه كإسمه " وسخر ابن جبير من الألقاب الدينية التي اعتاد السلاطين والأمراء في المشرق إضفاءها على أنفسهم مثل "شمس الدين" و"قطب الدين" و"سيف الدين" ، وهم لا يهتمون بدين ودنيا ، بل تحكمت فيهم الأنانية السياسية - مثل ملوك الطوائف في الأندلس - وحاولوا التعويض عن ذلك بألقاب فخمة جوفاء لكن ابن جبير يستثني صلاح الدين من هذه الظاهرة فيقول ، عن ملوك بلاد المشرق التي زارها : " سلاطين شتى -كملوك طوائف الأندلس - كلهم قد تحلّى بحلية تُنسب إلى الدين ، فلا تسمع إلا ألقابا هائلة ، وصفات لذي التحصيل غير طائلة ، تساوى فيها السوقة والملوك ، واشترك فيها الغنيُّ والصعلوك. ليس فيهم من ارتسم بسِمة به تليق ، أو اتصف بصفة هو بصفة هو بها خليق ، إلا صلاح الدين صاحب الشام وديار مصر والحجاز واليمن ، المشتهر بالفضل والعدل. فهذا اسم وافق مسمّاه ، ولفظ طابق معناه ، وما سوى ذلك في سواه فزعازع ريح ، وشهادات يردُّها التجريح ، ودعوى نسبة للدين برّحت به أي تبريح :
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد ".
وبعد أن انتهى الشنقيطي من عرض رؤية ابن جبير لاستحقاق صلاح الدين اسمه حاول تشويه الصورة الجميلة التي قدمها ابن جبير بقول شيعي متعصب جاهل مغمور غير معروف لايرقى أبدا إلى مكانة ابن جبير التاريخية. والشنقيطي في هذا الفعل - طبقاً لعنوان فصله المُضلّل - كمن يعرض درة ثم يضع بجوار الدرة بعرة بهدف تشويه الدرة ولن يستطيع ذلك.
قال الشنقيطي - بعد أن ساءه حديث ابن جبير عن صلاح الدين ومكانته السامقة - ما نصه : ( لكن رأي ابن جبير حول استحقاق صلاح الدين لإسمه يتناقض تماماً مع ما رأه الفقيه الشيعي أبو تراب 526 - 615 هجرية/ 1132 - 1217م. حسبما ورد في نص أقدم النصوص التاريخية عن النظرة السلبية التي ينظر بها الشيعة إلى صلاح الدين الأيوبي فقد حكى الذهبي عن عبد العزيز بن هلاله أنه قال: " دخلت على أبي تراب ، فقال : من أين أنت؟ قلت : من المغرب. فبكى وقال : لا رضي الله عن صلاح الدين ، ذاك فساد الدين ، أخرج الخلفاء من مصر. وجعل يسبه ، فقمت"). إنهم - في الحقيقة – خلفاء الدم والمذابح ودعاوي الألوهية. وما فعلوه في شمال أفريقية وصقلية وبلاد الشام خير دليل.

 

عدوان الشنقيطي على شيخ الإسلام ابن تيمية

لم يؤرخ شيخ الإسلام بن تيمية لصلاح الدين البتة. ورغم ذلك أقحمه الشنقيطي في فصله الأخير الذي جعل عنوانه " صلاح الدين الأيوبي في الحِجاج السنيِّ الشيعيِّ " بهدف الطعن والغمز واللمز في شيخ الإسلام ابن تيمية أحد أعظم علماء الإسلام ومحاولة هز وتشويه صورته السامقة في نفوس المسلمين بالكذب والتزوير.
فبعد أن انتهى الشنقيطي من الحديث عن المقريزي وأظهر فشله وجهله في معرفة سبب تحامُل المقريزي على صلاح الدين حيث جعله بدافع التحيز الاقليمي . بينما السبب الحقيقي هو نسب المقريزي الذي يعود للفاطميين الذين محا صلاح الدين دولتهم من الوجود. فقال الشنقيطي في ص 253 ما نصه : (ومنذ عصر المقريزي لم نعد نجد مؤرخاً سنياً ينتقد صلاح الدين ، أو يتعاطف مع طائفة الفاطميين الشيعة ، ولو بدافع التحيز الاقليمي أو السياسي. لقد ساد التفسير المذهبي لحياة صلاح الدين ولتاريخ العلاقات السنية الشيعية بعد ذلك. وكان رائد السلفية أحمد بن عبدالحليم بن تيمية ؛ 661 - 728 هجرية/1263 - 1328م ؛ أعظم معبِّر عن هذا التوجه. لكن هذا التوجه لم يهيمن تماماً إلا بعد عصر المقريزي الذي ولد بعد وفاة ابن تيمية بخمسة وثلاثين عاماً). وتأمّلوا قول الشنقيطي : لقد ساد التفسير المذهبي لحياة صلاح الدين ولتاريخ العلاقات السنية الشيعية. ففي هذا القول مغالطة ماكرة يريد بها الشنقيطي اقناع قرائه أن السنة مجرد مذهب من الإسلام والشيعة مذهب مساوي لها ، بينما الحق أن السنة هي الأمة ، والشيعة بكل فرقها طائفة قليلة خرجت عن أهل السنة !!!.
ثم ينتقل الشنقيطي لتحميل شيخ الإسلام مسؤولية ما سمّاه (حُمَّى التاريخ التي تسمِّم العلاقات السنية الشيعية إلى اليوم) . ونسي الشنقيطي أن أمة الاسلام عاشت قروناّ مع الأقليات الشيعة في أمن وسلام حتى ظهرت النبعة الآثمة ، نبعة "الخمينية" التي جلبت الحُمَّى القاتلة وسمّمت الوجود الإسلامي برمته.
يقول الشنقيطي في ص 253 ما نصه : (والحق أن أي باحث لن يستطيع أن يفهم حُمَّى التاريخ التي تسمِّم العلاقات السُنّية الشيعية اليوم إلا إذا أخذ في الاعتبار جهد ابن تيمية وتراثه وأثره على الثقافة الإسلامية المعاصرة.....بما أثاره من جدل ضد الشيعة في تفسير أحداث صدر الإسلام ، وبعض الحقب الأخرى المثيرة للخلاف بين السنة والشيعة ، كما ورَّث مقته الشديد للشيعة للعديدين من حملة الثقافة السنية اللاحقين). وإذا تأملنا هذه العبارة نجد ما يلي :
أولاّ : لا يمكن أن تصدر هذه العبارة من كاتب يؤمن بعقيدة أهل السنة والجماعة ، لأنها لم تتضمن اي نقد للشيعة ، وصبت النقد والتجريح على شيخ الإسلام ابن تيمية وكل من أخذ بالحق في تفسير حوادث صدر الإسلام من أهل السنة. وهذه قرينة تشير إلى انتماء صاحب هذه العبارة للشيعة.
ثانيا : ابن تيمية لم يكن رائدا في تفسير حوادث صدر الإسلام. فقد سبقه في هذا الميدان علماء أجلاء يصعب حصرهم ، تصدوا للكذابين من الشيعة وبقية الفرق الضالة ، الذين وضعوا الأحاديث والروايات الكاذبة التي تخدم طوائفهم وتُبرِّر معتقداتهم وأعمالهم الباطلة. فقام أولئك العلماء بدراسة أسانيد كل الأحاديث والروايات والأقوال وبيّنوا الصحيح من الموضوع. فاستخدم شيخ الإسلام ابن تيمية ، القران الكريم بالدرجة الأولى ، ثم الصحيح من الأقوال والروايات لتأكيد الحق ودحض الباطل.
ثالثا : ابن تيمية لم يمقت الشيعة إلا بسبب الباطل الذي انغمسوا فيه والكراهية المقيتة التي يكنونها لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولزوجاته رضي الله عنهم جميعاً.
وكتب الأئمة السابقين مثل ابي حنيفة والشافعي ومالك واحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وابو إسحاق الفزاري وغيرهم حوت الكثير من أقوال أولئك العلماء في نقد الشيعة ومقتهم بسبب الباطل الذي اعتقدوه ، وطريق الضلال الذي سلكوه.
وبعد أن عرض الشنقيطي باختصار نشأة شيخ الإسلام إبان الغزو المغولي يقول في ص 253 ما نصه : (وجعلت منه نشأته في هذا السياق الدامي المفعم بالصراع ، وخلفيته الحنبلية التي لا تعرف الحلول الوسطى والفكر التركيبي ، أحد أعظم المدافعين عن التسنُّن شراسة واندفاعاً ، ضدّ الطوائف غير المسلمة أو الطوائف المسلمة غير السُنِّية). وهذه عبارة مغرضة شائنة فيها من الغمز واللمز في شيخ الإسلام والحنابلة من جانب الشنقيطي ما فيها  :
فأولاً : الشنقيطي جعل من نشأة شيخ الإسلام خلال ظروف الغزو المغولى الدامي هي المؤثر في شخصيته ، وتجاهل أن أسرته - خصوصا والده ووالدته - أسرة علم وتقوى ، فوالده من علماء الحديث ، ووالدته تقية نقية ربّته تربية إيمانية فريدة كما جاء في رسالتها المشهورة إليه.
ثانياً : الحنابلة ، وهم أتباع الإمام احمد بن حنبل هم أهل الحديث والأثر على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يبتدعون في الدين ولا يقبلون البدعة من مبتدع ، ويرفضون المبادئ المؤدية للتحريف في الدين التي سمّاها الشنقيطي الحلول الوسطى والفكر التركيبي مثل : مبدأ وان أرّخ لها ابن كثير مع ذكر أسبابها بشكل واضح، ولكنه لم يذكر الشيعة بالاسم وكذلك لم يذكر الدروز بالاسم مثلما فعل المقريزي، لكن يتبين من سياق كلام ابن كثير - خصوصاً حديثه عن عقائدهم - أنهم الدروز وليس الشيعة.
قال ابن كثير في أخبار حوادث سنة 699 هجرية ما نصه : (في عشرين شوال ركب نائب السلطنة جمال الدين آقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان. وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية ، بسبب فساد نيتهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم ، وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتر وهربوا ، وحين اجتازوا ببلادهم وثبوا عليهم ونهبوهم وأخذوا اسلحتهم وخيولهم وقتلوا كثيرا منهم ، فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستتابهم ، وبيّن للكثير منهم الصواب ، وحصل بذلك خير كثير ، وانتصار كبير على أولئك المفسدين ، والتزموا برد ما كانوا أخذوه من أموال الجيش ، وقرّر عليهم أموالا كثيرة يحملونها الى بيت المال، وأُقطعت اراضيهم وضياعهم، ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون في طاعة الجند، ولا يلتزمون أحكام الملة ولا يدينون دين الحق، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله).
ثم يستدل الشنقيطي على أثر معركة كسروان بمؤرخ أشد تزويراً وكذباً منه ، وهو مؤرخ قناة المنار .د. جعفر المهاجر. وهو مؤرخ شيعي لبناني من أنصار الخمينية وينتمي إلى حزب حسن نصر الله، وله كتب عديدة يحاول فيها إيجاد شرعية تاريخية للشيعة. وهو يكتب بدون توثيق من المصادر التاريخية. وكتبه أشبه بتلك القصص القديمة التي قرأناها أيام الصبا مثل : الف ليلة وليلة ، والأميرة ذات الهمة ، والزير سالم ، وسيف بن ذي يزن، وعنترة بن شداد، وتغريبة بني هلال، وغيرها. مع إبراز للمظلومية التي يدعيها الشيعة بصورة بكائية.
يقول الشنقيطي في ص 354 ما نصه : (ولا يزال الشيعة يتحدثون عن مذبحة كسروان ودور ابن تيمية فيها، بذاكرة طرية موتورة، وهي سِمة من سمات الثقافة الشيعية بشكل عام. فهذا جعفر المهاجر يكتب، " إن جُرح كسروان، خصوصاً إن نحن أخذنا بالاعتبار تداعياته المتوالية ما يزال فاغراً ناغِراَ ينضح بالدم القاني حتى اليوم ").

نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ، ومحاولة الشنقيطي الغمز في الحنابلة كمن يرفع وجهه ناحية الشمس وهي في كبد السماء فيبصق عليها فيعود بصاقه على وجهه !!!.
ثالثاً : وصف الشنقيطي لشيخ الإسلام بأنه أحد أعظم المدافعين عن التسنن شراسة واندفاعاً. هدفه من هذا الوصف الظالم تنفير قرائه من شيخ الإسلام ، وإرضاء "الطائفة الخمينية" التي تكره شيخ الإسلام أشد الكره ، لأنه لم يُفنّد أحد عقائدها بمثل ما فنّدها به شيخ الإسلام ، لا قبله ولا بعده. ومن يقرأ ردود شيخ الإسلام لا يجد فيها لا شراسة ولا اندفاعا. فما من قول يقوله إلا ومعه دليله من القرآن والسنة. ولكن أهل البدع ينفرون من أدلة القرآن والسنة التي تنسف باطلهم ، ولذلك لا غرابة ان يصف الشنقيطي شيخ الاسلام بالشراسة والاندفاع ، "ضد الطوائف غير المسلمة ، أو ضد الطوائف المسلمة غير السُنّية" وعبارة غير المسلمة هنا مفهومة للقارئ مثل رد شيخ الإسلام الفريد على الرسالة التي جاءته من قبرص وهي لراهب نصراني قديم هو بولس الراهب اسقف صيدا ، فرد عليها شيخ الإسلام بكتابه " الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح ".
أما عبارة الشنقيطي الاخيرة " او ضد الطوائف المسلمة غير السُنّية " فهذه تحتاج وقفة : فإذا كان الشنقيطي يعتبر الباطنية الإسماعيلية والنصيرية والدروز ، وعُبّاد القبور من غلاة الصوفية والفلاسفة القائلين بوحدة الوجود ، والقائلين بأن النبوة يمكن أن تُنال بالاكتساب ، طوائف مسلمة غير سنية فهذا شأنه. ولكن المسلم الحق إذا عرض عقائد هذه الطوائف على القرآن والسنة يجدها طوائف مارقة خارجة عن دين الإسلام. ولا أخال الشنقيطي بهذه الأقوال إلا من أولئك الذين يسعون إلى تحريف دين الاسلام أو ترويج أراء "الخمينية" بين المسلمين مثل الشحرور وعدنان إبراهيم ومن على شاكلتهم.
ثم ينتقل الشنقيطي إلى الحديث عن مشاركة شيخ الإسلام في غزوة كسروان التي كانت موجهة ضد الدروز ، فيزوِّر الحقائق بلا خجل ولا وجل ويزعم - كاذبا - أنها ضد شيعة لبنان وغيرهم من الطوائف غير السنية. وبدون أن يذكر كلمة واحدة عن سبب الغزوة لكي يُظهِر شيعته ، الذين وضعهم - بالتزوير - مكان الدروز، في صورة الضحايا الذين تعرضوا لمذبحة غير مبررة. قال الشنقيطي في ص 254 ما نصه : (وقد صحب ابن تيمية جيوش المماليك في حربها ضد المغول ، كما شارك في غزوة كسروان ضد شيعة لبنان وغيرهم من الطوائف غير السنية، وسوّغ تلك الغزوة في رسالة ضافية إلى السلطان المملوكي، واعتبرها غزوة شرعية كما أمر الله ورسوله، بعد أن كُشفت أحوالهم، وأُزيحت عللهم، وأُزيلت شُبههم، وبُذل لهم من العدل والانصاف ما لم يكونوا يطمعون به). وهكذا قدَّم الشنقيطي غزوة كسروان مجردة من سببها بعد أن استبدل الدروز بالشيعة، ليؤكد المظلومية الزائفة التي يدّعيها ملالي الشيعة دائماً، ولتبرير المذابح التي درجوا على اقترافها بحق أهل السنة منذ ظهور الخمينية حتى اليوم.
لم تكن غزوة كسروان إلا نتيجة وعقاباً لدروز لبنان على ما اقترفوه بحق الجنود المسلمين المنهزمين من معركة وادي الخزندار. ففي سنة 699 هجرية
غزا ملك مغول فارس محمود غازان بلاد الشام بجيش كبير تُقدره أغلب المصادر بمئة ألف وضمنه عدد كبير من الأرمن والكرج النصارى، والتقى الجيش الغازي في أواخر ربيع الأول سنة 699 هجرية بجيش المسلمين بقيادة السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون الذي كان عدده نحو عشرين ألف في وادي الخزندار قرب حمص. ولم يكن بوسع جيش المسلمين الصمود في وجه جيش يفوقه عددا بعدة أضعاف ، فحلت الهزيمة بجيش المسلمين وفر السلطان محمد بن قلاوون هارباً إلى مصر وتفرق الجيش شذر مذر. وسيطر المغول على دمشق ، ثم عاد غازان الى فارس ليعد جيشاً جديداً يحتل به مصر . انظروا تفاصيل المعركة في: تاريخ ابن كثير ، حوادث سنة ٦٩٩هجرية ؛ المختصر في أخبار البشر لابي الفدا ج 4 ص 42 - 43 ؛ المقريزي ، السلوك ج1 قسم 3 ص 886 - 901 ؛ النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ج8 ص 117 - 128 ؛ تاريخ ابن الجزري ج1 ص 462 - 463 . ومصادر أخرى كثيرة.
ويذكر ابن كثير في حوادث سنة 699 ان كثيرا من الجنود الهاربين فروا عبر طريق بعلبك فنزل اهل جبل كسروان من جبالهم واعترضوا طريقهم وقتلوهم وسلبوا خيولهم واسلحتهم. ولم يذكر ابن كثير أنهم شيعة. اما المقريزي في حوادث السنة نفسها فقد نص على أنهم "الدرزية أهل جبل كسروان".
وهكذا يتبين لمن له لب أن هذا الكاتب مزور كبير لا يتورع عن تغيير الحقائق وتزويرها. فالمعروف لكل متخصص في تاريخ بلاد الشام أن الدروز هم سكان جبل كسروان في لبنان ، وأن شيعة لبنان يسكنون جبل عامل في لبنان. ذلك أنه من المعروف - في تاريخ الشام - ان الأقليات العرقية والدينية تتقوقع في الاماكن الجبلية الوعرة والمعزولة عن الطوائف الأخرى وعن بقية مناطق الشام المفتوحة. واقرأوا كتاب الدكتور احمد رمضان أحمد " المجتمع الإسلامي في بلاد الشام في عصر الحروب الصليبية. طبعة القاهرة ، 1397هجرية/1977م. وغزوة كسر

بعد أن انتهيت مما كتبته آنفاً فتحت الجزء الثامن والعشرين من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية لأتحقق من صحة ما اقتبسه الشنقيطي من رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون عن غزوة كسروان فوجدت أن الرسالة طويلة ، وتقع في ست صفحات ، وتحوي أمرين خطيرين وجديدين :
الأول : أنها تُلقي أضواء جديدة على غزوة كسروان وأسبابها بصورة مفصلة، وغير موجودة عند ابن كثير والمقريزي وغيرهما من المؤرخين لأن شيخ الإسلام رواها كشاهد عيان وشارك في الغزوة بنفسه.
الثاني : أن الشنقيطي يقتبس من كلام ابن تيمية عبارات قصيرة منزوعة من سياقها المُفصل بهدف الغمز واللمز في شيخ الإسلام وتشويه صورته!!!
ومما كشفه شيخ الاسلام في رسالته علاقة الشيعة في جزين وجبل عامل بمملكة قبرص الصليبية.
وقد ظهرت مملكة قبرص الصليبية إلى الوجود زمن الحملة الصليبية الثالثة التي جاءت ضد صلاح الدين بعد معركة حطين واسترداد بيت المقدس حيث انتزع ريتشارد قلب الأسد - حين وصل بإسطوله إلى شرق البحر المتوسط - قبرص من الروم (البيزنطيين) ثم باعها من الملك الصليبي - المهزوم في حطين - جاي لوزجنان بمئة ألف دينار، وأقام فيها جاي لوزجنان مملكة صليبية ظلت قائمة لأكثر من ثلاثة قرون، وكانت متحدة مع عكا الصليبية قبل طرد الصليبيين منها. وبعد طرد الصليبيين من الشام في سنة 690 هجرية ظلت مملكة قبرص الصليبية تقوم بدورها الصليبي العدواني على المسلمين فتشن الغزوات والحملات، وغارات القراصنة من قبرص على سواحل مصر والشام وآسيا الصغرى.
ويُفهم مما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان هناك تحالُف وتنسيق وتواصل بين شيعة جزين وجبل عامل في لبنان وبين الصليبيين في قبرص ضد المسلمين في الشام.
فقد ذكر شيخ الإسلام أن أولئك الشيعة - الذين نهبوا وقتلوا وأسروا الجنود الهاربين من معركة الخزندار -أرسلوا إلى الصليبيين في قبرص فجاء الصليبيون ونزلوا على الساحل المجاور لبلاد الشيعة فاستقبلهم الشيعة حاملين الأعلام الصليبية. وأقام الجانبان سوقاً على الساحل دام عشرين يوماً. وباع الشيعة للصليبيين من الخيول والسلاح والأسرى الذين أخذوهم من المسلمين عقب الهزيمة في موقعة الخزندار " مالا يحصي عدده إلا الله " كما قال شيخ الإسلام. وارتحل الصليبيون عائدين بكل تلك المنهوبات إلى قبرص. انظروا رسالة شيخ الإسلام في الفتاوى ج 28 ص 221.
ومن هنا يتضح لكل صاحب فكر حصيف مدى ضخامة التزوير والتزييف الذي ارتكبه الشنقيطي حين عرض غزوة كسروان - التي شارك فيها ابن تيمية - لمعاقبة هؤلاء الخونة -المتحالفين مع الصليبيين - في صورة مذبحة مروعة غير مبررة شارك فيها ابن تيمية ضد شيعة لبنان المسالمين!!!
ومن تفاصيل غزوة كسروان وجبل عامل التي كشفها شيخ الإسلام: أن هؤلاء الشيعة لهم شيوخ وأئمة وعلى رأسهم اسرة يُدعون بني العود " وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف ابن العود وغيره " . وقد اعترف أولئك الشيوخ الشيعة لشيخ الاسلام أنهم يُعلِّمون أتباعهم ما في تلك الكتب من أمور وعلى رأسها تكفير المسلمين جميعاً. وبناء على ما في تلك الكتب واعترافات مشايخهم لشيخ الإسلام عرض أبرز ما فيها من تكفير وعقائد باطلة فقال : (أهل البدع المارقون وذوو الضلال المنافقون الخارجون عن السنة والجماعة، المفارقون للشرعة والطاعة مثل هؤلاء الذين غُزوا بأمر السلطان من أهل الجبل والجرد والكسروان ذلك أن هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين في أمر الدنيا والدين فإن اعتقادهم أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وأهل بدر، وبيعة الرضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين وعلماءهم أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعُبّادهم، وملوك المسلمين وأجنادهم، وعوام المسلمين وأفرادهم، كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون، أكفر من اليهود والنصارى ، لأنهم مرتدون عندهم، والمرتد أشر من الكافر الأصلي، ولهذا السبب يقدمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان) الفتاوى ج 28 ص 221. وقال عنهم أيضاً وطبقا لما في كتبهم : ( وفرحوا بمجيء التتار، هم وسائر هذا المذهب الملعون، مثل أهل جزين وما حواليها، وجبل عامل ونواحيه. لأن عندهم، أن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر مرتد، ومن استحل الفقاع - شراب الشعير - فهو كافر، ومن مسح على الخفين فهو كافر، ومن حرّم المتعة فهو كافر، ومن أحب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو ترضّى عنهم، أو عن جماهير الصحابة فهو عندهم كافر، ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر. وهذا المنتظر صبي عمره سنتان أوثلاث أو خمس، يزعمون أنه دخل السرداب بسامرا من أكثر من أربعمائة سنة، وهو يعلم كل شيء وهو حجة الله على أهل الأرض، فمن لم يؤمن به فهو عندهم كافر. وهو شيء لا حقيقة له، ولم يكن في الوجود قط. وعندهم من قال: إن الله يُرى في الآخرة فهو كافر، ومن قال إن الله تكلم بالقرآن حقيقة فهو كافر، ومن قال إن الله فوق السموات فهو كافر، ومن آمن بالقضاء والقدر وقال إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وأن الله يقلب قلوب عباده وأنه خالق كل شيء فهو عندهم كافر، وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله فهو عندهم كافر.
هذا هو المذهب الذي تُلقِّنه لهم أئمتهم، مثل بني العود، فإنهم شيوخ أهل هذا الجبل، وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين، ويفتونهم بهذه الأمور، وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم، تصنيف ابن العود وغيره، وفيها هذا وأعظم منه، وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علموهم. لكنهم مع ذلك يُظهرون التقية والنفاق. ويتقربون ببذل الأموال إلى من يقبلها منهم، وهكذا كانت عادة هؤلاء الجبلية ، فإنما أقاموا بجبلهم لما كانوا يُظهرونه من النفاق، ويبذلونه من البرطيل - الرشوة - لمن يقصدهم. والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة، ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله، ولهذا كثر فسادهم، وأخذوا من الأموال ما لايعلمه إلا الله. ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها في أمر لا يُضبط شره، تنزل عليهم منهم طائفة، ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. كانوا في قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عُرفت من أهل الجنايات. يرِد إليهم النصارى " أي صليبيو قبرص " فيضيفونهم ويعطونهم سلاح المسلمين. ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين فإما أن يقتلوه أو يسلبوه، وقليل منهم من يفلت بالحيلة.). انظروا : الفتاوى ج 28 ص 221 - 222.
وقد أوردت آنفاً الجزء الرئيس من رواية شيخ الإسلام عن غزوة جبل كسروان والجرد وجبل عامل بهدف :
1 - أن يتحقق قارئ نقدي هذا بنفسه من تدليس الشنقيطي وتزويره حيث انتزع بعض العبارات لشيخ الإسلام منزوعة من مقدماتها وخلفياتها، وعلّق عليها غامزاً لامزاً لتشويه أحد أعظم علماء الإسلام.
2 - أن يعلم اللبنانيون اليوم - الذين يُعانون من حسن وحزبه - أن أجدادهم عانوا الأمرين من أجداد هؤلاء. فما أشبه الليلة بالبارحة.
والآن ننظر ماذا قال الشنيقطي عما اسماه التحول المنهجي الذي أحدثه ابن تيمية في تفسير الحوادث التاريخية.
قال الشنقيطي في ص 254 - 255 ما نصه: ( لكن ما يهم موضوعنا بالأساس هو التحول المنهجي الذي أدخله بن تيمية على الجدل السني الشيعي حول التاريخ. وقد اتسم منهج ابن تيمية في تفسير الأحداث التاريخية بعدة أمور : أولها : التعميم السلبي في حكمه على طوائف الشيعة، وتكفير الفاطميين بشكل عام، إذ يقول مثلا: " إن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتي سنة على غير شريعة الإسلام "  . ويصف الفاطميين بأنهم " كانوا في الباطن ملاحدة زنادقة منافقين وكان نسبهم باطلا كدينهم " . " ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد أنطفأ فيها نور الإسلام والإيمان."..... وقد أشاد ابن تيمية بصلاح الدين لانتزاعه مصر من أيدي الفاطميين، فكتب مستطردا: " وجرت فصول كثيرة: اُخذت مصر من بني عبيد(الفاطميين) أخذها صلاح الدين وخطب بها لبني العباس، فمن حينئذ ظهر الإسلام بمصر بعد أن مكثت بأيدي المنافقين المرتدين عن دين الإسلام " ).
ويمكن دحض هذا العرض والإستنتاج الخاطئ للشنقيطي في ضوء الحقائق والمعطيات التالية:
أولا: لم يكن هناك أبدا جدل سني شيعي حول تاريخ صلاح الدين - وهو موضوع الشنقيطي في هذا الفصل - قبل ابن تيمية حتى يُدخِل عليه شيخ الإسلام تحولاً منهجياً. فلم نر في هذا الفصل مؤرخا شيعيا جادل في صلاح الدين أو طعن فيه قبل شيخ الإسلام. فقد قدّم الشنقيطي في فصله هذا مؤرخاً شيعياً واحداً هو يحيى ابن أبي طي كما في ص 246 - 248 وكان كما قال الشنقيطي في ص 246 معاصراً" ومعجباً بصلاح الدين إعجاباً عميقاً " فلم يطعن أو يُجادل فيه البتة. فأين الجدل السني الشيعي السابق لابن تيمية حتى يُدخل فيه شيخ الإسلام تحولاً منهجياً؟؟؟؟ ما أكثر التناقض في هذا الكتاب الذي وقع فيه الشنقيطي!!!!!
ثانياً : إتهام الشنقيطي لابن تيمية بالتعميم السلبي في حكمه على طوائف الشيعة ، وتكفير الفاطميين بشكل عام... يدل على جهل الشنقيطي بمؤلفات ابن تيمية وحقائق التاريخ وتناقضه في كتابه هذا تناقضاً فاضحاً. فابن تيمية ليس العالم الأول الذي كفّر الفاطميين. فقبل صفحات قليلة من هذه الصفحة وفي ص 246 - 247 ذكر الشنقيطي عن المؤرخ الشيعي ابن ابي طي أنه ( لم يعبّر عن أي تعاطف مع الفاطميين ، بل لم يشأ أن يدعوهم شيعة أصلاً، وإنما كان يدعوهم الإسماعيلية ، والمصريين ، وكأنما أراد أن يظهر الفارق بين تشيُّعه الإمامي وتشيعهم الإسماعيلي. وكثيرا ما اقتبس ابن أبي طي - بصيغة الإقرار والتبنُّي - أراء لعلماء وأدباء من أهل السنة يهاجمون فيها الفاطميين ويرمونهم بالبدعة والرفض والشرك.).
فهذا النص يكشف كذب الشنقيطي. وأن ابن تيمية لم يكن أول من كفّر الفاطميين، بل هناك علماء قبله قالوا بهذا وتبنّى المؤرخ الشيعي الإمامي ابن ابي طي أراؤهم وأقرّ بصحة تكفيرهم للفاطميين لأنهم أصحاب بدعة وشرك كما نص على ذلك الشنقيطي في كتابه. والمعروف أن ابن أبي طي عاصر صلاح الدين ومات قبل ولادة والد بن تيمية. فأين التعميم السلبي عند ابن تيمية الذي زعمه الشنقيطي وقدّمه وكأنه أول من كفّر الفاطميين الإسماعيلية؟؟؟؟؟.
وبعد ان سحقنا هذه الدعوى للشنقيطي من كتابه، نضيف أن شيخ الإسلام لم يكن بدعا في تكفير الفاطميين وإنما كان مُتّبعاً لإجماع علماء أمة الإسلام قبله على تكفيرهم بناءً على عقائدهم في ضوء القرآن والسنة. ومن أشهر علماء الاسلام الذين كفّروهم : الإمام الغزالي الذي عاصر الدولة الفاطمية الإسماعيلية الباطنية وقال في كتابه" فضائل المستظهرية وفضائح الباطنية : " مذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض ". وكذلك كفّرهم ابن حزم - المعاصر لهم - في كتابه الفصل في الملل والنحل. ومن أبرز العلماء الذين كفّروهم : الباقلاني ، والإمام الشاطبي، والبغدادي في كتابه " الفرق بين الفِرق "، وأبو يعلى في كتابه المعتمد، والمحبي في كتابه " خلاصة الأثر "، والكوفي ، والعراقي، والديلمي. فعلماء أمة الإسلام أجمعوا على تكفير الفاطميين قبل ابن تيمية. وانظروا التفاصيل في موقع " الدرر السنية " على النت. وافتحوا فيه ، موسوعة الفِرق ، وافتحوا الباب الثالث عشر وعنوانه: الباطنية وفرقها ، وستجدون الفصل الثالث بعنوان " طائفة الإسماعيلية " وفيه بحث مفصل عن عقائدها وحكم كبار علماء الإسلام بتكفيرها.
ثالثاً : أما إتهام الشنقيطي لابن تيمية بالتعميم في أحكامه فهي تهمة مثيرة للسخرية. فالعارفون بكتب شيخ الإسلام يعلمون أنه ما من مسألة يدرسها شيخ الإسلام إلا ويشبعها بحثاً وتحريراً بصورة فريدة لا مزيد عليها. ولنضرب هنا مثالا ينسف دعوى الشنقيطي من أساسها: فقد صنف "العالِم الشيعي الإمامي" الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي - المعاصر لشيخ الإسلام ابن تيمية - رسالة في أقل من مئة صفحة بعنوان " منهاج الكرامة في معرفة الإمامة ". فرد عليه شيخ الإسلام بموسوعة لا مثيل لها في التاريخ هي " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ". وهذه الموسوعة مطبوعة في تسعة مجلدات.
وقد دحض شيخ الإسلام ابن تيمية في موسوعته أسس دين الشيعة بصورة أعجزت كل علماء الشيعة عن الرد العلمي عليها منذ زمن الحلّي وحتى عهد خميني وخامنئي. وهذه الموسوعة هي التي أثارت حقد الشيعة وكراهيتهم لشيخ الإسلام ابن تيمية. فحين عجزوا عن الرد العلمي المقنع لجأوا إلى السب والغمز واللمز والإفتراء على شيخ الإسلام مثلما فعل الشنقيطي في هذا الفصل.
وفي ص 255 يُقدِّم الشنقيطي الأمر الثاني ، الذي زعم أنه من السمات التي اتصف بها منهج ابن تيمية في تفسيره للحوادث التاريخية فيقول ما نصه : ( ثانيها : إتهام كل طوائف الشيعة بالتعاون مع أعداء الأمة الإسلامية عبر التاريخ. فهو يكتب : " وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين." وأنهم " يقدِّمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان..... وفرحوا بمجيء التتار هم وسائر هذا المذهب الملعون، مثل أهل جزين وما حواليها، وجبل عامل ونواحيه...كل هذا وأعظم منه عند هذه الطائفة التي كانت من أعظم الأسباب في خروج جنكسخان - جنكيزخان - إلى بلاد الإسلام وفي استيلاء هولاكو على بغداد، وفي قدومه إلى حلب، وفي نهب الصالحية، وفي غير ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله.).
ويمكن أن تلاحظوا في هذه الفقرة - بالمقارنة مع أوردته من رسالة شيخ الإسلام آنفاً - العبارات التي اقتبسها الشنقيطي من ابن تيمية منزوعة من سياقها ومقدماتها.
وكيفما كان الأمر ، فالتعاون بين الشيعة وأعداء الإسلام من صليبيين ومغول حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل. وأعرف حقائق في هذا الباب تُغطي مجلدة كاملة ولا مجال لسردها هنا لأنها ستخرجنا عن هذا النقد الذي نحن بصدده. لكن دعونا ندحض هذا الإنكار من كتاب الشنقيطي نفسه :
1 - ففي ص 141 ذكر الشنقيطي أن بين الأدلاء الذين قادوا جيش الحملة إلى القدس أفراد من أسرة ابن عمار الشيعية.
2 - في ص 144 - 145 قدّم الشنقيطي قصة الخيانة الكبرى التي اقترفها أمير طرابلس الشيعي ابن عمار حين مرّ بطرابلس بولدوين البولوني وهو في طريقه إلى القدس ليتسلم عرشها بعد وفاة أخيه جودفري فاستضافه ابن عمار وأكرمه كرماً جماً. وعلم ابن عمار أثناء ضيافته لبولدوين أن سلاجقة دمشق نصبوا كميناً محكماً لبولدوين وقواته في ممر ضيّق بين الجبال والساحل في جنوب لبنان ، فأخبر ابن عمار ضيفه بلدوين وحذّره من هذا الكمين ، فتجنب بولدوين المرور بذلك المضيق.
والحق أنني أعتبر هذه الخيانة أخطر خيانة شيعية للمسلمين في التاريخ. لأنها أنقذت المشروع الصليبي في بدايته وأمدّت في عمره زهاء مئتي سنة. لأنه لم يبق في تلك اللحظة من القادة الصليبيين الكبار في الشام إلا بلدوين نفسه. فريموند الصنجيلي حينذاك لم يبق بيده إلا حاشيته الخاصة فسافر إلى القسطنطينية يلتمس المساعدة من الإمبراطور البيزنطي اليكسيوس كومنين. أما بوهمند ألنورماني أمير أنطاكية، والذي كان يعتبره الصليبيون بطل الحملة الصليبية الأولى ، لأنه قاد المعركة (معركة دوريليوم ) ضد السلاجقة في آسيا الصغرى وهزمهم، ثم احتل أنطاكية. فكان يومذاك يقبع أسيراً في قلعة نقصار على ساحل البحر الأسود مع ابن عمه ريتشارد دوق سالرنو، حيث نصب له البطل كمشتكين بن دانشمند كميناً ودمّر قواته على أحد الفروع العليا لنهر الفرات وأخذه أسيرا مع من نجا من القتل من فرسانه ، لأنه جاء لمساعدة الأرمن في ملطية التي كان يحاصرها كمشتكين.
3 - في ص 179 - 181 قدّم الشنقيطي عرضاّ مفصلاً لخيانة الشيعي الإمامي دبيس بن صدقة، صاحب الحلّة في العراق، الذي جاء ومعه ألاف من أتباعه الشيعة الإمامية فتحالف مع الصليبيين واتفق معهم على احتلال حلب ليكون نائباً لهم بها.
4 - في ص 182 - 185 قدّم الشنقيطي قصة شيعة جبل عامل ( الذين زعم أنهم تعرضوا لمذبحة غير مبررة شارك فيها ابن تيمية ) الذين جاءوا مع الصليبيين سنة 552 هجرية لإحتلال بانياس على هضبة الجولان.
5 - ذكر الشنقيطي في ص 190 - 194 من كتابه قصة الوفد الفاطمي الذي جاء إلى الصليبيين وهم يحاصرون أنطاكية بقصد التحالف والتعاون معهم.
6 - ذكر الشنقيطي في ص 209 قصة مؤتمن الخلافة الفاطمية " جوهر " الذي كاتب الصليبيين بهدف التحالف معهم واستدعائهم إلى مصر ضد صلاح الدين.
7 - ذكر الشنقيطي ص 209 - المؤامرة الثانية التي قام بها أنصار الفاطميين بقيادة الشاعر عمارة اليمني بهدف إحياء الدولة الفاطمية والقضاء على صلاح الدين واستنجادهم - لتحقيق مؤامرتهم - بالصليبيين في الشام، والنورمان في صقلية.
فهل كان إتهام شيخ الإسلام للشيعة بالتعاون مع أعداء الأمة الإسلامية إتهاماً كاذباً - كما يريد الشنقيطي - وما كتبه الشنقيطي هنا في كتابه يؤيد ما قاله ابن تيمية؟؟؟؟؟؟.
أمّا التهمه الثالثة التي رمى بها الشنقيطي ابن تيمية ، زاعماً أنها من سمات منهجه في تفسيره للحوادث التاريخية فهي قوله ص 255 ما نصه: ( لغة خطابية ملتهبة ضد الخصوم عموماً، والشيعة خصوصاً ). وهذه تهمة بالغة السخافة. فالذين يعرفون كتب شيخ الإسلام مثل " منهاج السنة..." يعرفون أن شيخ الإسلام من أكثر العلماء وأبرعهم استدلالاً بالقرآن الكريم فلغته شديدة التأثر بالقرآن. فما من حجة يسوقها ولا قول يقوله إلا ودليله معه من القرآن والسنة.

وبعد ان انتهى الشنقيطي مما قاله بحق شيخ الإسلام ابن تيمية. شرع يُمهّد لعرض مفتريات وبذاءآت ثلاثة من الكُتّاب الشيعة اللبنانيين والشيعي المصري المُتقلب صالح الورداني بحق صلاح الدين فقال في ص 256 ما نصه : ( وقد انبعث تراث ابن تيمية الاعتقادي والفكري في مطلع العصر الحديث على يديّ الشيخ محمد بن عبدالوهاب " 1115 - 1206 هجرية/ 1703 - 1792 "، الذي هو الأب الفكري للسلفية الأثرية المعاصرة، المعروفة عند خصومها بإسم الوهابية. ومع طغيان السلفية على الذاكرة السُنّية في العقود الأخيرة بدأ إظهار جوانب من شخصية صلاح الدين، وإضمار أخرى بشكل لافت للنظر...لكن هذا الانبعاث السلفي الذي بدأ منذ قرنين يواجه اليوم انبعاثاً شيعياً منافساً في عدد من الدول الإسلامية. وكان من نتائج ذلك أن صورة صلاح الدين وقعت في تقاطع النيران بين السلفية السُنّية والسلفية الشيعية اللتين تمزقان قلب العالم الإسلامي اليوم.). وهنا يُضخم الشنقيطي من أمر الكتابات الشيعية القليلة والكاذبة عن صلاح الدين وكأنها أصبحت مضاهية للكتابات السنية الكثيرة والصادقة عنه خصوصاً في مصر التي ظهر منها الرواد الاوائل في دراسة الحروب الصليبية وبطلها صلاح الدين مثل : محمد مصطفى زيادة ، وسعيد عاشور ، والسيد الباز العريني ، وحسن حبشي، ونظير حسان سعداوي، وابراهيم طرخان، وعبدالرحمن زكي، وعمر كمال توفيق، وتلاميذهم البارزين مثل : حامد غنيم، ومحمود سعيد عمران، وقاسم عبده قاسم، والأجيال التي أعقبتهم، الذين لا يعرف الشنقيطي انتاجهم عن الحروب الصليبية وما كتبوه عن صلاح الدين ولم يطلع عليه. وقد عرفنا وقرأنا كتب هؤلاء المؤرخين المحترفين فوجدناهم قد اعتمدوا على المصادر الاصلية - التي أغفل الشنقيطي معظمها - فلم نجد أنهم اظهروا جوانب من شخصية صلاح الدين واضمروا أخرى وهذا ينسف هذا القول للشنقيطي من اساسه ويثبت انه يُطلق الاستنتاجات على عواهنها بدون استقصاء وتثبُت. وللدكتور محمد مؤنس عوض كتابين عن المؤرخين المصريين والعرب الذين كتبوا عن صلاح الدين والحروب الصليبية هما:
1 - الحروب الصليبية في مؤلفات المؤرخين المصريين المحدثين، طبعة القاهرة 2016م.
2 - الحروب الصليبية في مؤلفات المؤرخين العرب المحدثين، طبعة القاهرة 2016م. وإذا قارنتم هذا الانتاج الضخم للمؤرخين المصريين والعرب المحدثين اتضحت لكم ضآلة وضحالة ما يعرضه الشنقيطي لبضعة كُتاب شيعة هاجموا صلاح الدين بالكذب والتزوير على غرار ما فعله الشنقيطي في كتابه هذا.
وحتى نُسقط بالكلية هذا التضخيم الفارغ للشنقيطي لهؤلاء الكُتاب الشيعة الكذابين نعرض لكم بعض مؤلفات الدكتور محمد مؤنس عوض عن صلاح الدين حيث صنّف عدة كتب جمع فيها معظم ما كُتِب عن صلاح الدين وما قيل عنه، ومن تلك الكتب:
1 - صلاح الدين الأيوبي ؛ بيبلوغرافيا كرونولجية. جمع فيه الدكتور محمد مؤنس كل ما امكنه جمعه من كتب وبحوث عن صلاح الدين.
2 - 100 كتاب عن صلاح الدين الأيوبي ، عرض ونقد ، ويقع الكتاب في ٢٦٣ صفحة.
3 - قالوا عن صلاح الدين ، شهادات من الشرق والغرب، ويقع الكتاب في ٢٣١ صفحة.
4 - صلاح الدين بين التاريخ والأسطورة.
5 - صلاح الدين فارس عصر الحروب الصليبية.
6 - رحلة إلى صلاح الدين.
7 - صلاح الدين الأيوبي، فارس عابر للقرون. وبحوث وكتب أخرى كثيرة. يمكنكم الاطلاع عليها على النت بكتابة اسم الدكتور محمد مؤنس عوض. والحق انه لاتوجد شخصية إسلامية، بعد النبي صلى الله عليه وسلم، كُتِب عنها كم هائل من الكتب والبحوث على مستوى العالم كله مثل صلاح الدين. فما قيمة ما يُزوِّره أقلية كاذبة من الكُتاب الشيعة عن صلاح الدين إزاء هذا الكم الهائل من الدراسات العلمية الموثقة. أما ما زعمه الشنقيطي من وقوع صورة صلاح الدين في تقاطع النيران بين السلفية السُنّية والسلفية الشيعية فهو هراء لا مكان له إلا مخيلة الشنقيطي المغرضة.
لكن الجديد في عبارة الشنقيطي الأخيرة هو وصفه للخمينية الجديدة بالسلفية الشيعية. فالسلفية في الإسلام تعني السير على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم. وطوائف الشيعة لا تمت للسلفية بصلة، فكل ما قالوه واعتقدوه عبر القرون إنما هو تطوير مجوسي لمقالة اليهودي عبدالله بن سبأ. وقد بيّن علماء وأئمة الإسلام منذ القِدَم وإلى اليوم الحكم عليها في ضوء القرآن والسنة الصحيحة. ويبدو أن الشنقيطي - في هذا القول الجديد - يريد تسويق الخمينية بتغليفها بغلاف" الشيعة السلفية "!!!
وقد بدأ الشنقيطي في ص 258 بعرض مفتريات من أطلق عليه: (الفقيه اللبناني محمد جواد مغنية " ت. 1399 هجرية/2979م" في كتابه "الشيعة والحاكمون" حيث خصص بضع صفحات من الكتاب لصلاح الدين، انتقده فيها انتقاداً مريراً، آخذاً عليه عدة مآخذ منها : ). ثم يورد الشنقيطي تلك البذاءآت المقيتة - التي سمّاها مآخذ - في بضع صفحات، وقد قرأت مفتريات مغنية عن صلاح الدين فوجدت أن الشنقيطي عرض معظمها.
ففي أولاً: عرض ال ة التي تحاول أن تجمع بين نقد صلاح الدين والاعتراف بمآثره سرعان ما تغيب مع صاحبها محمد جواد مغنية، وفي العام " 1399 هجرية1979م " ذاته الذي اندلعت فيه "الثورة الإيرانية". فقد بدأ تقديم صلاح الدين في الكتابات الشيعية بنبرة جدلية طائفية محضة مع الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية...وما أثمره هذان الحدثان من ثمار ثقافية وأيدولوجية مريرة. فلم نعد نجد بين مؤرخي الشيعة اليوم مثيلا للمؤرخ الشيعي الحلبي يحيى بن أبي طي...ولا حتى مثل محمد جواد مغنية، الذي يهاجم صلاح الدين في جوانب من سياساته، ويعترف له بالفضل في أخرى. وإذا تأملتم هذه العبارة للشنقيطي تدركون مدى الظلم والاجحاف والتزوير الذي اقترفه الشنقيطي بحق صلاح الدين حين زعم زوراً أن مغنية اعترف لصلاح بالفضل في جوانب من سياسته الأخرى. فما عرضه الشنقيطي آنفاً - وقرأته بنفسي في كتاب مغنية - هو الطعن المقيت ولاشيء غيره في منجزات صلاح الدين العسكرية والسياسية .فقد شبّه مغنية تلك المآثر الرائعة لصلاح الدين بانتصارات بعض فرسان العرب في الجاهلية الذين كانوا ينتصرون لعدوان وظلم وجور وحيف قبائلهم وأقوامهم ويناصرونهم بالباطل لدحض الحق ويقفون معهم ضد العدل والانصاف!!!
وكأنه ليس لصلاح الدين الأيوبي قضية عادلة قاتل وناضل من أجلها ضد الغرب الصليبي الغاشم الذي شن حرباً عالمية بكل المقاييس دامت قرونا ضد المسلمين بهدف تدمير عقيدتهم والإستيلاء على بلادهم ومحوهم من الوجود.

شنقيطي إتهام مغنية لصلاح الدين بعدم الوفاء للخليفة الفاطمي العاضد.....
وفي ثانيا ينقل الشنقيطي زعم مغنية الكذوب أن صلاح الدين عامل الخليفة الفاطمي العاضد واسرته معاملة سيئة وأن سياسته معهم " كانت سياسة القمع والنذالة والخِسّة في أبشع صورها ". والحق أن الشنيقطي في إيراده لمفتريات مغنية واضرابه من الكذابين يريد الإساءة الى صلاح الدين ولكنه يتستر خلف عباراتهم الكاذبة البذيئة بوصفه مجرد ناقل، وسنراه بعد قليل يقتنع ببعض أكاذيب مغنية ويسيء إلى صلاح الدين بعبارة مشينة.
ولم يعلق الشنقيطي على عبارة هذا المتعصب الحقود سوى بقوله: (لكن ما ذكره مغنية من سوء المعاملة محل خلاف بين المؤرخين.) ثم يورد الشنقيطي ما ينقض تهمة مغنية من أساسها، فقد ذكر أن أبا شامة قابل ابن الخليفة الفاطمي العاضد سنة ٦٢٨هجرية في قلعة الجبل بمصر فاخبره(أن أباه العاضد في مرضه استدعى صلاح الدين فحضر، قال: وأحضرنا - يعني أولاده وهم جماعة صغار - فاوصاه بنا فالتزم إكرامنا واحترامنا رحمه الله) فهذه الشهادة التي أوردها الشنقيطي لابن العاضد تنسف عبارة مغنية المقيته برمتها. فما هو الدافع الذي جعل الشنقيطي يوردها؟؟؟ والجواب هو الإساءة الى صلاح الدين فقد صمّم فصله الأخير من كتابه كله لتحقيق هذا الهدف.
ويورد الشنقيطي في ص 259 الفرية الثالثة التي افتراها مغنية على صلاح الدين وهو أنه كان " شديد التعصب، وأنه كان يحمل الناس على التسنن وعقيدة الأشعري، ومن خالف ضُربت عنقه ". وهذا هراء تنقضه مصادر تاريخ صلاح الدين التي أغفل الشنقيطي معظمها.
أما المأخذ الرابع الذي أخذه مغنية على صلاح الدين فهو: (تفريط صلاح الدين في المكتبة الفاطمية التي كانت من أعظم المكتبات وأثراها بالكتب في التاريخ الإسلامي...) وقد اهتبل الشنقيطي كلام مغنية ليسيء الى صلاح الدين بعبارة جارحة فقال : (وهذا مما يحق لمغنية وغيره أن ينتقد عليه صلاح الدين، فهو تفريط مشين لا يليق بقائد عظيم). والحق أن مغنية والشنقيطي كاذبان في هذا الزعم. فالمكتبة الفاطمية الكبيرة نُهبت خلال الشدة المستنصرية التي وقعت قبل عهد صلاح الدين بأكثر من قرن من الزمان. وقد بدات تلك الشدة سنة 457 هجرية واستمرت سبع سنوات، وانهار الأمن في مصر خلالها، وحدثت مجاعة لم تشهد لها مصر مثيلا في تاريخها حتى أكل الناس لحوم البشر والكلاب والقطط من شدة الجوع. ونهب الجوعى كل ما امكنهم نهبه بما فيها المكتبة المشهورة. واخبار هذه الشدة مفصلة في تاريخ محمد بن هلال الصابي ونقلها عنه سبط بن الجوزي في كتابه مرآة الزمان. وقد أشرنا الى هذا المصدر سابقاً. كما ذكرها المقريزي في كتابه " اتعاظ الحنفا..." وابن ميسر في كتابه " أخبار مصر". وغيرها من المصادر الكثيرة.
وقد أعدت باحثة في جامعة ليدز البريطانية اسمها فوزيا بورا دراسة اثبتت فيها أن قصة تدمير صلاح الدين للمكتبة الفاطمية أو التفريط فيها اسطورة لا أساس لها
وهذا اسم كتابها:
Fozia Bora: Did Salah al-Din Destroy the Fatimids' Books?
An Historiographical Enquiry.

ويمكن قراءة هذا الكتاب في النت.
وقد اوضحت الكاتبة أن صلاح الدين كلف القاضي الفاضل بجرد ما بقي من كتب الفاطميين في القصر الفاطمي. فقام القاضي الفاضل بالمهمة وأخذ من الكتب ما أراد ووضعها في مكتبة المدرسة التي أنشأها في مصر، وكذلك حصل القاضي ابن شداد والاصفهاني على جزء من تلك الكتب ووضعوها في مكتبات المدارس التي أنشأوها.
ومن الأدلة الحاسمة على بقاء كتب الفاطميين. أن كتب عقائدهم وشرائعهم بقيت وعلى رأسها " دعائم الاسلام " للقاضي النعمان الذي حوى معتقدات الإسماعلية وطقوسها، وسيرة المؤيد في الدين داعي الدعاة وغيرها من كتب عقائدهم ودعوتهم. فلو انه جرى تدمير كتب الفاطميين لاختفت كتب عقائدهم ودعوتهم في المقام الأول.
ومن عجب أن الشنقيطي في ص 259 يصف مغنية بأنه من رواد التقارب بين السنة والشيعة، وانه لم يغالِ في نقده لصلاح الدين إلى حد إنكار مآثره العسكرية.والسياسية التي سجلته في الذاكرة الإسلامية...وان مغنية قال:(ولا منافاة أبداً بين ان يكون صلاح الدين بطلاً عظيماً وبين أن يدين ويؤمن بالتعصب...فقد كان أعراب الجاهلية كعنترة وغيره أبطالاً يدافعون عن أعراضهم وأموالهم وينتصرون على على أعدائهم وفي الوقت نفسه كانوا يتعصبون للباطل على الحق، وينجدون قومهم ويناصرونهم على الظلم والجور ، ويحمونهم من العدل والانصاف). فمن يقبل من المنصفين وصف الشنقيطي لهذا الكاتب الباغي بأنه من رواد التقارب السني الشيعي؟؟؟. وما في هذه الفقرة المجحفة بحق صلاح الدين يبرهن لكل ذي عينين ان الشنقيطي أساء لصلاح الدين حين اعتبرها عدم مغالاة من جانب مغنية في نقده لصلاح الدين وعدم إنكار لمآثره السياسية والعسكرية التي خلدته في الذاكرة السنية!!!
ليس هذا فحسب، بل نجد الشنقيطي في ص 260 يعيد تمجيد مغنية والإشادة بصفحاته القليلة التي كتبها عن صلاح الدين - قبل أن يعرض بذاءآت أذناب الخمينية - فيقول ما نصه: (لكن هذه النبر

وبعد أن انتهى الشنقيطي من الحديث عن مغنية شرع في التقديم لبعض أذناب الخمينينة ويصفهم بالمؤرخين ، وهم لا يمتون للبحث التاريخي في عصر الحروب الصليبية بصلة، فقال في ص 260 مانصه: (بل نجد كل المؤرخين الشيعة تقريباً مطبقين على اليوم على احتقار صلاح الدين وتجريمه. وتتسم كتابات هؤلاء المؤرخين الشيعة عن الحقبة الصليبية بسمات جامعة، أهمها فيما يخص موضوع دراستنا هذه: الإعلاء من شأن الدولة الفاطمية وإبراز منجزاتها الحضارية ودفاعها عن حدود الإسلام، والتحامل الشديد على صلاح الدين الأيوبي، واتهامه بالهمجية، والأنانية السياسية، والتعصب المذهبي، وأحياناً التخاذل العسكري!!). وهنا لست ادري متى دافعت الدولة الفاطمية عن حدود عالم الإسلام بعد أن فقد المسلمون في عهدها لصالح الغرب الصليبي ودولة الروم جنوب إيطاليا وجبال الألب وجزائر صقلية ومالطة وكريت وقبرص وكل الثغور الشامية والجزرية والأرمنية وشمال الشام واكتملت منجزاتها بالتفريط في القدس وكل فلسطين وموانئ الشام ومدنه لحساب الحملة الصليبية الأولى. وهذه حقائق تاريخية غير قابلة للنقض.
وفي ص 260 بدأ الشنقيطي في عرض مفتريات الشيعي المصري صالح الورداني. وهنا ينبغي أن نعطيكم لمحة عن صالح الورداني : فهو رجل مضطرب العقل، متقلب الفكر. بدأ حياته صحفياً، ثم انضم إلى تنظيم الجهاد الذي أسسه عمر عبد الرحمن وأيمن الظواهري وعبود الزمر، ثم أسس مع عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح ما يسمى "بالحركة الإسلامية". وتم اعتقاله مرتين في قضية الجهاد الكبرى، وبعد الافراج عنه التقي بشيعي عراقي وسافر معه إلى العراق واعتنق التشيع. وقد اعتقلته السلطات المصرية سنة 1988م ضمن ما يسمى " التنظيم الشيعي الخميني".
وأخيراً أعلن تركه التشيع وزعم أنه يدعو إلى اسلام بلا مذاهب. والله يعلم كيف ستكون خاتمته. وكل المعلومات عنه وعن كتبه متاحة في النت يمكن قراءتها بسهولة.
وقد أصدر خلال تشيعه كتاباً بعنوان " الشيعة في مصر من الإمام علي إلى الإمام الخميني " وخص صلاح الدين بصفحات قليلة، كلها تزوير وشتائم وقلب للحقائق - المعروفة عن صلاح الدين - رأساً على عقب. ولكي يعرف القارئ سخافة وخطل الورداني، وتجرُّمه في كتابه هذا، نذكر أنه زعم في بداية كتابه أن التشيع كجماعة وكتيار كان موجوداً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وزعم أن التشيّع هو الأصل في مصر وأن التسنُّن وافِد.
ولن نعرض هنا بذءآته وعكسه للحقائق التي عرضها الشنقيطي في نحو صفحة وربع، من آخر ص 260 حتى بداية ص 262. وقد عرضها الشنقيطي وعلّق عليها بطريقة تنم عن إقراره بها وتعاطفه معها. ولن تهتز صورة صلاح الدين الخالدة بما كتبه الشنقيطي وسواه من هؤلاء السُّقَّاط!!!
وبعد ذلك يبدأ الشنقيطي في عرض كتاب اللبناني حسن الأمين الذي نشره سنة 1415 هجرية/ 1995م وعنوانه " صلاح الدين بين العباسيين والفاطميين والصليبيين ". والملاحظ أن هذا الكتاب هو الكتاب الوحيد الذي وجده الشنقيطي لمؤلف شيعي عن صلاح الدين. فما سبق أن عرضه كما رأينا هو ما قاله : مغنية والورداني بحق صلاح الدين ، في صفحات قليلة جدا ضمن كتابيهما عن تاريخ الشيعة.
وهكذا يذهب تضخيم الشنقيطي الفاضح للمؤرخين الشيعة ادراج الرياح. فأين الانبعاث الشيعي الذي زعمه الشنقيطي ص 256 في الكتابة عن صلاح الدين في عدد من الدول الإسلامية والذي ينافس الكتابات السنية التي يصعب حصرها؟؟؟
وأين صورة صلاح الدين التي وقعت في تقاطع مرمى النيران بين السلفية السنية والسلفية الشيعية؟؟؟
وأين جموع المؤرخين الشيعة - حسب تصخيم الشنقيطي - حين قال في ص 260 كل المؤرخين الشيعة تقريبا مطبقين اليوم على احتقار صلاح الدين وتجريمه؟؟؟.
فلم يستطع الشنقيطي أن يقدّم إلا كتاباً واحداً فقط لشيعي لبناني ، زعم أنه مؤرخ!!!
إنه الكذب والتزوير المرادف لزعمه في كتابه أن الشيعة الإمامية توحدوا مع السنة وواجهوا معهم الصليبيين في صف واحد.
وكيفما كان الامر فقد شرع الشنقيطي
في تقديم حسن الأمين وكتابه في ص 262 فضخّم - كما هي عادته في تصخيم الشيعة - من أهمية الكتاب ومؤلفه، ومجّد أسرته إلى أقصى حد فقال ما نصه: وهو أضخم هجوم فكري شيعي يستخدم التاريخ ذخيرةً لتجريد شخصية صلاح الدين من مكانتها وجاذبيتها، ويسعى بشراسة لهدم ذكراه الباقية في الذاكرة الإسلامية. وسرعان ما أصبح الكتاب هو المرجعية السردية المعتمدة لدى الشيعة في عصرنا، في الحديث عن صلاح الدين وعن الفاطميين، وأعان على توسيع تأثير الكتاب انتماء مؤلفه لأسرة شيعية عريقة في علوم الدين والتاريخ. فوالد المؤلف هو محسن الأمين" 1289 - 1371 هجرية/1865 - 1952م " الإصلاحي الشيعي المشهور، ومؤلف موسوعة" أعيان الشيعة " الذي وُصِف بأنه " آخر مجتهدي الشيعة الإمامية في بلاد الشام.".
وإذا تأملنا هذه العبارة يمكن أن نرد عليها بما يلي :
أولاً: الشنقيطي يكذب كذباً فاضحاً حين يزعم أن حسن الأمين استخدم التاريخ ذخيرة لتجريد شخصية صلاح الدين من مكانتها وجاذبيتها. فقد قرأت هذا الكتاب فوجدت حسن الامين استخدم الكذب والتزوير والتفسيرات المعاكسة لحقائق سيرة صلاح بصورة قذرة وبذيئة تفوق ما فعله الشنقيطي في كتابه هذا بمرات كثيرة، وقد وزّع الأمين أيضاً شتائمه على المؤرخين الذين أرّخوا لصلاح الدين من القدماء والمحدثين، لأنه لم يجد في كتبهم ذخيرة تخدم دينه وطائفته، فوصف أبا شامة مؤلف كتاب الروضتين ب" البذيء" ووصف ابن كثير ب"السفيه" ووصف محمد كرد علي ب" صاحب الأباطيل " وهناك أوصاف أخرى وصف بها بقية المؤرخين الذين كتبوا عن صلاح الدين أشد حطة وسفالة من هذه الأوصاف.
ثانياً : لن يستطيع حسن الأمين - ولا كل ملالي إيران لو كتبوا عن صلاح الدين على غرار كتاب حسن - أن يجرِّدوا شخصية صلاح الدين من مكانتها وجاذبيتها، أو هدم ذكراه وتشويه صورته في الذاكرة الإسلامية. لأن ما كُتِب عن صلاح الدين - على المستوى العالمي يكاد يُضاهي ما كُتِب عن نابليون - قبل ظهور الخميني إلى حيز الوجود - كما قال المؤرخ والأديب السوري المشهور، الأستاذ الدكتور شاكر مصطفى، في رده على كتاب حسن الأمين.
وقد عرض الشنقيطي طائفة من مفتريات حسن الأمين على صلاح الدين من ص262 حتى ص 265.
ولسنا هنا بصدد عرض شيء من تلك المفتريات الباطلة، ويكفي أن نشير إلى أن كتاب حسن الأمين يقع في 225 صفحة وهو موجود على النت ويمكن قراءته لمن أراد. وعند صدور الكتاب احتفل به الخمينيون وأذنابهم في وسائل إعلامهم وطاروا به ، في إيران ولبنان والعراق. الأمر الذي لفت نظر المؤرخ والأديب القدير شاكر مصطفى فصنّف كتاباً يدحض كل مفتريات حسن الأمين في 424 صفحة أي ضعف حجم كتاب المفتري حسن ، بعنوان" صلاح الدين الأيوبي : الفارس المجاهد والملك الزاهد المُفترى عليه؛ طبعة دار القلم، دمشق 1998م".
ولن أعرض لكم هنا ما كتبه الدكتور شاكر مصطفي في رده، فالكتاب مُتيسر في النت، يمكن قراءته وتحميله.
ولكني سأعرض لكم نص ما قاله الدكتور شاكر مصطفي في صفحة الإهداء، وفقرة من مقدمته، وهي كفيلة بنسف كل مفتريات حسن الأمين، وثل تخرُّصات الشنقيطي في فصله الأخير.
قال الدكتور شاكر مصطفى في صفحة الإهداء في بداية الكتاب ص ه مايلي :
الإهداء
إلى كل من وصمهم المُفتري على صلاح الدين!!
إلى أبي شامة الذي وصفه ب(البذيء)!!
إلى ابن كثير الذي وصفه ب(السفيه)!!
إلى محمد كرد علي الذي وصفه ب(صاحب الأباطيل)!!
وإلى مجموعة المؤرخين الزملاء الذين رماهم بالجهل المطبق، والسفاهة، والتحامُل، والاجترار، والعمى، والكذب على الحق، وتزييف التاريخ، وبكعوب الأحذية!!
وأخيراً إلى صلاح الدين الذي وصفه بالخداع، والاستسلام للصليبيين، والتآمُر معهم، وبأنه يستحق القتل!!
وقد قال الدكتور شاكر مصطفى في مقدمة كتابه الرائع الذي دحض مفتريات حسن الأمين في ص 8 ما نصه:..وما جال في خاطري يوماً أن أكتب عن صلاح الدين، فما كُتب عنه قديما وحديثاً يكاد يضاهي ما كُتب عن نابليون كثرة، فإلى ما أُفرِد لاسمه من كتب، ما يكاد كاتب يتناول العصر الصليبي أو الفاطمي أو القرن الثاني عشر في المشرق/=6 هجري، حتى يكون صلاح الدين هو الذي يفرض نفسه على الكاتب والقلم ويكون هو محور الحديث.
وليس هذا الكتاب بالذي يزعم إضافة مجد جديد إلى أمجاد الرجل - الرمز - فمثل صلاح الدين لا يحتاج من يضيف مجداً إلى أمجاده، وإنما هو بيان لمحاولة تشويه متأخرة جداً - ومن المؤسف أنها أيضاً طائفية - ترجو أن تنال من أطراف هذه الشخصية التاريخية التي أصبحت الرمز البطولي لأكثر من ألف مليون مسلم اليوم، هم أكثر الأمم حاجة إلى مثل هذا الرمز.
والآن نعرض لكم تقييم الدكتور محمد مؤنس عوض لكتابي حسن الأمين ورد شاكر مصطفى عليه.
فالدكتور محمد مؤنس خصّص جل حياته العلمية لدراسة صلاح الدين، وأكثر من كتب عنه، وجمع الكثير من البحوث والكتب التي صُنِّفت عنه.



الحلقة الأخيرة.
يقول الدكتور محمد مؤنس عوض في كتابه" صلاح الدين بين التاريخ والأسطورة " ص 30 - 31 ما نصه: ( وفي سنة 1995م فوجئ العرب بدراسة المؤرخ اللبناني حسن الأمين بعنوان " صلاح الدين الايوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين " كما نشر مقالة في مجلة العربي الكويتية الواسعة الانتشار عدد 442 بعنوان " صلاح الدين الأيوبي، نظرة مختلفة ". وفي الكتاب وكذلك المقالة نجد مؤرخاً هاجم السلطان صلاح الدين الأيوبي على نحو لم يحدث منذ ما يزيد على ثمانية قرون.
ولا مراء في أن الهجوم كان هجوماً مندفعاً لا يتسم بالموضوعية، لم نجده لدى أي مؤرخ عربي، بل وأوربي، حيث اتهمه بالخيانة وأنه يستوجب القتل.
والدراسة المذكورة أكاديمية الظاهر، غير موضوعية في الباطن، وتُحقق أهدافاً لا تخفى على أحد، وفيها اعتساف الأحكام، والفكرة المُسبقة المفروضة فرضاً على الآخرين، وكأن صاحبها له مع صلاح الدين ثأر شخصي بلا مبرر منطقي!!! وقد افتقد الكتاب القدرة على إقناع القارئ المتخصص الخبير، خاصة أن المؤلف غير متخصص في عصر الحروب الصليبية.
ومن الطريف أن أكبر مؤرخ صليبي، وهو وليم الصوري، امتدح أحياناً صلاح الدين الأيوبي، وكذلك كافة كُتّاب مادة صلاح الدين في جميع دوائر المعارف في العالم أجمع بلا استثناء، وهم من المسيحيين واليهود، ونجد مسلماً عربياً يتخذ ذلك الموقف الذي سيحسب على العرب والمسلمين بطبيعة الحال.
ومع ذلك فإن فائدة الكتاب المذكور أنه أيقظ الباحثين لإعادة الاهتمام بالسلطان الأيوبي، المجاهد البارز، فظهرت مؤلفات لتحقق الهدف.
ولم يتأخر الرد طويلاً على حسن الأمين، إذ أصدر المؤرخ السوري الراحل الكبير شاكر مصطفى في بيروت 1997م ، أي بعد عامين فقط، دراسة بعنوان" صلاح الدين الفارس المجاهد والملك الزاهد المُفترى عليه". والكتاب ردٌ مُفحِم على المؤلف سالف الذكر، وتمكن مؤلفه من هدم أساس فكرة حسن الأمين باقتدار مؤرخ كبير.
إذاً هذا الكتاب هو رد على افتراءات حسن الأمين... فنحن أمام شخص يُفترض فيه المعرفة والاطلاع، ولكن كتابه عن صلاح الدين كان غير موضوعي. فهل هذا بسبب نقص المعرفة والاطلاع، أم بسبب البُعد العقائدي الشيعي المعادي لصلاح الدين هادم خلافة الفاطميين الشيعة، أم بسبب الهوى وقلة الدين التي كان يتصف بها.
بغض النظر عن الجواب الصحيح عن دافع الأمين للافتراء على صلاح الدين، إلا أن هذه الافتراءآت حفزت مؤرخنا الكبير لابطال الافتراءآت بالمنطق والمعرفة، والمعلومة الصحيحة ) ثم يستعرض الدكتور محمد مؤنس معالم ومضامين كتاب الدكتور شاكر مصطفى، ثم يقول عنه: ( ومما يتميز به الكتاب أنه يتعامل مع صلاح الدين على أنه بشر يصيب ويُخطئ، وليس قائداً اسطورياً لا أخطاء له أو نقائص ، بل عرض بعض أخطائه وهزائمه، والدروس المستفادة من ذلك.).
وعلى الرغم مما في كتاب حسن الأمين من مفتريات كاذبة وتفسيرات خاطئة فإن الشنقيطي يُشيد به ويعتبره عملاً نموذجياً في صناعة الهوية، وبناء شرعية تاريخية للتشيع. وهو ما سعى إليه الشنقيطي في هذا الكتاب.
قال الشنقيطي في ص 269 ما نصه: ( فالمتشيع صالح الورداني يسعى لبناء شرعية تاريخية للأقلية الشيعية في مصر اليوم من خلال تمجيد الدولة الفاطمية، والطعن فيمن قضى عليها، وهو صلاح الدين. أما حسن الأمين فهو أكبر طموحاً من ذلك إذا أن عمله - وعمل أبيه السيد محسن الأمين - يطمح إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي كله في سبيل بناء شرعية تاريخية للتشيع، فهو عمل نموذجي في مجال صناعة الهوية.) وإذا كانت هذه المفتريات الداحضة التي أشاد بها الشنقيطي وسار على خطاها في هذا الكتاب ، تُعتبر في نظره عملاً نموذجياً في صناعة الهوية الشيعية، فلن يستطيع هو، ولا كل آيات إيران وأذيالهم إعادة كتابة التاريخ الإسلامي طبقاً لرؤيتهم الطائفية، لأن التاريخ الإسلامي مكتوب - أولاً: في مصادره الأساسية. وثانياً: لأنهم سيجدون من المؤرخين الصادقين من ينسف تحريفاتهم ويثل مفترياتهم، مثلما فعل الدكتور شاكر مصطفى بكتاب حسن الأمين.
وفي ص 270 يقول الشنقيطي عن صلاح الدين ما نصه: ( لقد جمع صلاح الدين بين المثالية والواقعية، وبين التسامح والقسوة، وبين الجسارة والحذر. ففي مصر بعث أخاه العادل ليصلب ثلاثة آلاف نوبيّ تمردوا على سلطته، لكنه حزن حزناً عميقاً على وفاة غريمه السياسي والمذهبي الخليفة الفاطمي العاضد). وهنا يسئ الشنقيطي لصلاح الدين ويُصوِّره وكأنه ارتكب مذبحة ضد هؤلاء النوبيين، وقدمها تماماً مثلما فعل في غزوة كسروان حين قدّمها وكأنها مذبحة اقترفها شيخ الإسلام ابن تيمية مع جيش المماليك ضد شيعة لبنان المسالمين بعد أن نزع من الحادثة أسبابها وملابساتها وخلفياتها التي فصلناها سابقاً. فالإشارة المغرضة هنا إلى مؤامرة كنز الدولة أحد القادة الفاطميين في الصعيد. وقبل الحديث عن هذه المؤامرة نشير إلى أن كنز الدولة هذا ينتمي إلى اسرة حكمت الصعيد زمناً طويلاً واشتهرت بالولاء للدولة الفاطمية. وجدّ هذه الأسرة هو أبو المكارم هبة الله وكان معاصراً للخليفة الحاكم، الذي ادّعى الألوهية، وقد وقف أبو المكارم ضد ثائر صعيدي ثار ضد الفاطميين يُسمّى أبو ركوة، ويُقال أنه ينتسب للأمويين، وقد قبض أبو المكارم على أبي ركوة وسلمه للحاكم، فكافأه الحاكم بلقب " كنز الدولة " وظل أبناؤه من بعده يتوارثون هذا اللقب ويدينون بالولاء للدولة الفاطمية. وما كاد السلطان صلاح الدين ينتهي من القضاء على المؤامرة التي دبرها أنصار الدولة الفاطمية في القاهرة للقضاء عليه وإعادة الدولة الفاطمية بالتعاون مع الصليبيين في الشام وصقلية، وهي مؤامرة عمارة اليمني ومن معه، حتى سمع بمؤامرة أخرى حاك خيوطها كنز الدولة في الصعيد، وانضمت إليه جموع غفيرة من النوبيين الذين كانوا جنودا في عساكر الفاطميين، ومن نفاهم صلاح الدين إلى الصعيد، أو فروا نحو جنوب مصر بعد إحباط تلك المؤامرة. ويُقال أنه احتشد مع كنز الدولة نحو مئة الف، وأخبرهم كنز الدولة بأنه سوف يستولي على القاهرة ومصر كلها ويقضي على صلاح الدين ويقيم الدولة الفاطمية مرة أخرى. وقد هاجموا قادة صلاح الدين ومن معهم من الجنود وقتلوا عشرة من القادة، ونهبوا وقطعوا الطريق وأخافوا السبيل. ولما سمع صلاح الدين بذلك جهّز جيشاً كبيراً بقيادة أخيه العادل، فسار إلى الصعيد ومزق حشود المتمردين " فاستأصل شأفتهم وأخمد ثائرتهم " انظروا: ابن شداد ، النوادر السلطانية ص 80 ؛ المقريزي ج1 ص 57 - 58 . وقد نُوقِشت رسالة علمية في بني الكنز في مصر قبل اكثر من أربعين سنة.
وهكذا بينّا خلفية حركة كنز الدولة في النوبة التي قدّمها الشنقيطي بوصفها مذبحة تدل على قسوة صلاح الدين، دون أن يُدرك أن التسامُح والتساهُل إزاء هذه الحركة يعني ضياع كل الجهود التي بذلها عماد الدين زنكي وابنه نور الدين وقادتهما العظام ، شيركوه وأخوه نجم الدين أيوب وابنه صلاح الدين طوال خمسين سنة لبناء الجبهة الإسلامية المتحدة المواجهة للصليبيين.
ويعود الشنقيطي في ص 271 ليكرر إساءته لصلاح الدين بتذكير قرائه بما طعن به صلاح الدين في ص 259 من تفريط مشين بالمكتبة الفاطمية. وهو ما دحضناه في حينه. حيث يقول في ص 272 ما نصه : ( وفي مصر أيضاً فرَّط صلاح الدين تفريطاً مؤسفاً بالمكتبات العظيمة التي ورِثها عن الدولة الفاطمية ). وتكرار هذه الإساءة مرة أُخرى تذكرنا بإساءآته المتكررة لنور الدين حين زعم - زوراً وبهتاناً - أن جدّهُ لابيه هو آقسنقر البرسقي الذي اغتاله الباطنية سنة 520 هجرية، وليس آقسنقر الحاجب، الذي مات سنة 487 هجرية وكان عمر ابنه زنكي حينها إحدى عشرة سنة. وفسّر سياسة نور الدين تجاه طوائف الشيعة بأنها بدافع الثأر والانتقام لمقتل جده المزعوم !!!.
على أن الإساءة الكبرى التي تقيأها الشنقيطي بحق صلاح الدين هو تحميله مسؤولية كل ماحدث من انقسامات في الدولة الأيوبية بعد وفاته على مدى أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، بما فيها تنازُل الكامل بن العادل عن مدينة القدس للصليبيين سنة 626 هجرية.
قال الشنقيطي في ص 271 ما نصه: ( أما من حيث الميراث السياسي، فقد بنى صلاح الدين دولة عظيمة تمتد من الموصل إلى القاهرة، وعاصمتها دمشق، لكنه ورَّثها لرجال ضعاف من أبنائه وذويه، سرعان ما مزقوها وفرّطوا في كل مكتسباتها، بما فيها مدينة القدس التي تنازل عنها ابن أخي صلاح الدين للصليبيين من غير قتال بعد خمسة وثلاثين عاما فقط من وفاة صلاح الدين). ويمكن دحض هذا الرأي الباغي والتحليل الخاطئ في ضوء الحقائق والمعطيات التالية:
أولاً: هذا التحليل المتعسف وغير الموضوعي قال به الشيعي حسن الأمين في كتابه عن صلاح الدين، وقد سرقه الشنقيطي ووضعه هنا دون الإشارة للباغي حسن، وتبنّاه طبقاً للهوى الشيعي المشترك بين الأثنين. وهذا الحكم المجحف ورد في كتاب حسن الامين في ص 132 وقد دحضه الدكتور شاكر مصطفى في كتابه الذي رد به على حسن الأمين في ص 401.
ثانياً: بذل صلاح الدين جهداً مضنياً في مقاومة الحملة الصليبية الثالثة التي شاركت فيها كل أوربا بجيوش كثيفة فاقت عدد جيشه بأضعاف كثيرة وتحمّل من الصبر والمشقة فوق طاقته. وبعد توقيع صلح الرملة انتوى صلاح الدين تحقيق هدف سامي عظيم وهو استغلال فترة الهدنة لتوسيع الجبهة الإسلامية المتحدة وضم بلدان إسلامية بمقدراتها الكبيرة إلى دولته لتكون أقوى بعد نهاية الهدنة الأمر الذي يجعله قادراً على إزالة بقية الدولة الصليبية بعد نهاية الهدنة. فقد ذكر ابن الأثير أن صلاح الدين - قبيل مرضه الأخير - استدعى ابنه الأفضل وأخاه العادل وأبدى لهما عزمه على ضم بلاد آسيا الصغرى الخاضعة لسلاجقة الروم، لأنها المِعْبَر البري الوحيد الذي اعتاد الصليبيون على استخدامه في حملاتهم على الشام، ولأن الاستيلاء عليها سيقطع عليهم ذلك الممر البري الوحيد. كما أبدى صلاح الدين رغبته لابنه وأخيه في ضم آذربيجان وقزوين وبلاد العجم إلى الدولة الأيوبية، واخبرهما أنه سيكلفهما القيام بتلك المهمة الخطيرة. انظروا : ابن الأثير ، الكامل ج 12 ص 95 - 96.
فقد كانت نفس صلاح الدين تجيش بالآمال والطموحات لتوحيد أمة الإسلام والقضاء على عدوها الصليبي العتيد. ولكن المرض عاجله فتوفي رحمه الله قبل تحقيق طموحاته وآماله ، ثم يأتي الشنقيطي وأستاذه حسن الامين ليُحمّلا صلاح الدين مسؤولية الانقسام والفشل والتفريط الذي أصاب الأجيال التالية التي ظهرت بعد وفاته.
ثالثا: من الاجحاف والظلم اعتبار صلاح الدين مسؤولاً عن الانقسام والنزاع الذي حدث بعد موته. فقد استنفد هذا البطل الفريد كل طاقته وجهده في توحيد الجبهة الإسلامية المتحدة، والتصدي لكل مؤامرات بقايا الفاطميين وأنصارهم للقضاء عليه، ثم أعدَّ وجهّز الجيش المُقتدر الذي كفل له الانتصار في حطين واسترد القدس ومعها جميع البلاد التي فرَّط فيها الفاطميون، بسهولة، لصالح الصليبيين قبل أكثر من تسعين عاماً. ثم واجه أوربا التي اتحدّت كلها ضده في الحملة الصليبية الثالثة، وتمكن من الاحتفاظ بالقدس ولم يُفرط فيها. ولقي ربه وراية الإسلام مرفوعة، والدولة موحدة متماسكة.
رابعاً: هذه العبارة الباغية للشنقيطي تدل على جهله المطبق بتاريخ الدولة الأيوبية. فهذه العبارة تحوي أخطاءً كامنةً فادحةً. فابن صلاح الدين الأكبر الأفضل نور الدين علي كان هو المعهود إليه بالسلطنة، وكان لزاماً على بقية اخوته وأعمامه - طبقأً لتقاليد ومفاهيم ذلك العصر - طاعته والولاء له. ولكن الأفضل كان شاباً في الواحدة والعشرين من عمره ، وكان قليل الخبرة، فعهد بمنصب الوزارة لضياء الدين بن الأثير - الشقيق الأصغر للمؤرخ المشهور عز الدين بن الأثير. وضياء الدين بن الأثير هو مؤلف كتاب " المثل السائر" في الأدب والبلاغة -
وكان ضياء الدين بن الأثير حين تولىّ وزارة الأفضل شاباً مغروراً لايفقه في أمور السياسة وإدارة شئون الدولة شيئاً، فاقنع السلطان الأفضل بإبعاد كبار أمراء والده وأخلص أصحابه ومستشاريه " وأخبره أن أمراء أبيه يشتطون عليه ولا يرضون منه إلا بالكثير، وأعمال دمشق لا تسعهم، وإنما تسعهم أعمال مصر، وأن الغرباء والمستجدين من مماليكه يرضون منه بالقليل...فاغتر الافضل بقوله، وكان ذلك من الخطأ البين والتدبير الفاحش السيء، فابعد أمراء أبيه والعظماء من أتباعه، حتى أبعد القاضي الفاضل مع جلالة قدره وغزارة فضله، والعماد الكاتب مع فصاحته وبراعته، واستخدم أمراء مجهولين ومماليك خاملين " كما قال ابن واصل في كتابه " التاريخ الصالحي" ورقة 210ب وهذا الكتاب في تاريخ الدولة الأيوبية صنّفه ابن واصل وسمّاه باسم الصالح أيوب وقدّمه هدية له، ولم يستخدمه الشنقيطي في كتابه، مثلما أغفل كتاب ابن واصل الكبير" مفرج الكروب...".
واستجاب الأفضل لمشورة ضياء الدين بن الأثير فأبعد كبار قادة الجيش، واضطرهم للهجرة إلى مصر، فقدموا إلى العزيز عثمان بن صلاح الدين حاكم مصر فاحترمهم وزاد في إقطاعاتهم. واتفقوا جميعاً على مناصرة العزيز والتخطيط لنزع السلطنة من الأفضل ونقلها لأخيه العزيز، سيما بعد سماعهم بالمزيد من السياسات الخرقاء التي اتخذها الأفضل بمشورة وزيره ابن الأثير. انظروا: ابن واصل، التاريخ الصالحي ورقة 210 ب - 211 أ ؛ مفرج الكروب ج 3 ص 11 - 14 ؛ أبو شامة، الروضتين ج 2 ص 228 ؛ ابو الفدا، المختصر ج3 ص87 - 89 ؛ المقريزي، السلوك ج1 ص 115 .
واستحكم النفور بين الأخوين واندلعت حرب الوراثة الايوبية بين أبناء صلاح الدين سنة ٥٨٩ هجرية، وتدخل العادل شقيق صلاح الدين في تلك الحرب التي دامت عدة سنوات. واستطاع العادل بحنكته وتجربته تحويلها في نهاية المطاف لصالحه انظروا تفاصيل حرب الوراثة الأيوبية في كتابي : " بلاد الشام قبيل الغزو المغولي ص 42 - 63. وما أن جاءت سنة 596 هجرية حتى تمكن العادل من توحيد الدولة الأيوبية كلها تحت لوائه وأصبح هو سلطانها الوحيد، وظلت موحدة تحت سيطرته مدة عشرين سنة حتى وفاته سنة 616 هجرية.
وبعد وفاة السلطان العادل خلفه على الدولة الأيوبية ابنه الأكبر الكامل محمد على مصر، وهو السلطان ، والمعظم عيسى على الشام وعاصمته دمشق، والأشرف موسى، وكان يملك الجزيرة وعاصمته خلاط. وقد اتّحد الإخوة الثلاثة وتعاونوا في مواجهة الحملة الصليبية الخامسة 614 - 618 هجرية، التي اتجهت إلى مصر واحتلت دمياط وزحفت نحو القاهرة. وقد نجح أبناء العادل الثلاثة في نهاية المطاف في هزيمة هذا الحملة رغم أن جيوشها فاقت أعداد جيوشهم بأضعاف كثيرة.
أنظروا تفاصيل هذه الحوادث في كتابي : بلاد الشام قبيل الغزو المغولي، ص 113 - 119 ، 229 - 255 . وكل المعلومات في هذه الصفحات موثقة في الحواشي من المصادر الأصلية والمعاصرة للحوادث.
ثم حدثت المنافسة والتنازُع بين أبناء العادل الثلاثة، فتحالف الكامل محمد مع أخيه الأشرف موسى حاكم الجزيرة ضد أخيهما المعظم عيسى صاحب الشام، وشعر المعظم أنه أصبح مطوقاً من جانب أخويه، فأخذ يلتمس الحلفاء، فراسل جلال الدين منكبرتي سلطان الدولة الخوارزمية وتحالف معه. وبدأ منكبرتي يُهدد مملكة الأشرف من الشرق. عندئذ راسل الكامل الامبراطور فردريك الثاني - حفيد فردريك بربروسا - وطلب محالفته ضد أخيه المعظم عيسى ووعده بتسليمه القدس إذا جاء لنصرته. ووصل فردريك الثاني إلى الشام ، بعد موت المعظم ، وعقد معه الكامل صلح يافا وتنازل له القدس سنة 626 هجرية. انظروا تفاصيل هذه الحوادث في كتابي "بلاد الشام قبيل الغزو المغولي ص 259 - 271 ، 360 - 367 . وفي حواشي الكتاب المصادر الأصلية المعاصرة التي أغفلها الشنقيطي.
فهل أدركتم مقدار الإساءة إلى صلاح الدين من جانب الشنقيطي الذي حمَّلهُ مسؤولية أفعال جيلين من الحكام، حكموا بعده؟؟؟
ويجب أن تضعوا نصب أعينكم - لتدركوا حجم الإساءة - أن العادل شقيق صلاح الدين أعاد توحيد الدولة الأيوبية مثلما كانت زمن صلاح الدين ، وظلت موحدة تحت رايته حتى وفاته مدة عشرين سنة. فما دخل صلاح الدين فيما فعله أبناء العادل حتى يُحمله الشنقيطي المسؤولية ويزعم ان ذلك ميراثه السياسي!!!
أمّا خاتمة بحث الشنقيطي فقد كرّر في ص274 زعمه الداحض الكذوب فقال: ( أدَّى ضغط الحروب الصليبية إلى حالة توحُّد في المجمل بين الشيعة الإمامية والقوى السنية خلال الحقبة الصليبية كلها ). ولم يستطع طوال كتابه كله أن يُقدِّم أو يشير إلى أي قوة شيعية إمامية أسهمت في تحرير مدينة أو بلدة أو قرية أو حتى قلعة أو حصن من الأماكن التي كانت بيد الصليبيين، والتي وضَّحت المصادر تحريرها بالتفصيل من جانب القوى السنية.
ومن عجب أن الشنقيطي توقف في كتابه عند صلاح الدين وترك قرن كامل من الزمان من تاريخ الحرورب الصليبية لم يتحدث عنه ، لأنه لم يجد فيه أي خبر يمكن أن يُجيِّره لصالح الإمامية.
وخاتمته مكونة من اربع صفحات 273 - 276. معظمها تسويق وتمجيد للتشيع، حيث يقفز إلى الدولة الصفوية التي ظهرت بعد زوال الصليبيين من بلاد الشام بقرنين من الزمان، ويزعم أن من مفاخر شيعة جبل عامل في لبنان أنهم قاموا بتطوير التشيع والفكر الصفوي وأنهم لا يزالون يفتخرون بذلك إلى اليوم.


قناة حركة التاريخ

للأستاذ : الدكتور / علي محمد عودة الغامدي

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع