إيران حين أضمرت السوء لحلفائها .. ماذا فعلت لإنهاك العراق ؟

عدد القراء 67

محمد الزغول

باحث في الشأن الإقليمي والإيراني

 

لعلّ أحد أبرز الدروس الإستراتيجية التي خلُصت إليها قيادة "الثورة الإيرانية" من الحرب المضنية مع العراق، والتي امتدت طوال ثمانية أعوام؛ أنّ العراق، بما يمتلكه من إمكانات وموارد مادّية وبشرّية ضخمة، هو بمثابة المعادل الموضوعي الرئيس، والمكافئ الإستراتيجي الأهم لإيران في المنطقة.

وأنّ وجود دولة عراقية قوية، مهما كان شكل الحكم الذي تتبنّاه، يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم، وانكفاء إيران إلى داخل حدودها الجغرافية، وانتهاء أحلامها بالنفوذ الإقليمي، ووقف خطوط إمداد، وتسليح حلفائها ووكلائها، في المناطق الجغرافية الأبعد، مثل؛ سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة؛ لذلك ظلّت إيران حريصة على إبقاء العراق ضعيفاً ومفكّكاً ومنقسماً على نفسه، وأصرَّت على إبقاء الدولة العراقية ضعيفة، رغم أنّ الطبقة السياسية التي وصلت إلى الحكم في العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، كانت في مجملها طبقة سياسية صديقة لإيران، ومقربة جداً من النظام الإيراني، وتجمعهما روابط وعلاقات متميزة، بدا أنّها ارتقت إلى مستوى التحالف الإستراتيجي، ظاهرياً على الأقل.

 

وجود دولة عراقية قوية مهما كان شكل الحكم الذي تتبنّاه يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم

 

هذا التقدير الإستراتيجي الإيراني الخطير، والمهم في آن واحد، يُفسّر أيضاً إصرار "إيران الثورة" على حلّ الجيش العراقي بالكامل، وتفكيك بنية الدولة العراقية بشكل عام، بعد سقوط النظام العراقي السابق. هذا الإصرار الذي ترجمته على أرض الواقع آنذاك قيادات عراقية مرتبطة بإيران، ومؤتمرة بأمرها تماماً، رغم كلّ التحذيرات الإقليمية والدولية من خطورته، وعواقبه الوخيمة، ليس فقط على حاضر ومستقبل العراق، بل والمنطقة كلّها؛ فليس هناك ما هو أخطر على الاستقرار من حالة الفراغ الأمني في دولة غادرت للتوّ ثلاثة صراعات وحروب كبرى، وتعاني من انقسامات عمودية وأفقية حادّة؛ طائفية، وإثنية، وسياسية، ذلك الفراغ الرهيب الذي أسّس لكلّ ما شاهدناه بعد ذلك، من ويلات الحروب "الطائفية والقومية"، والقتل على الهوية، وموجات "الإرهاب".

وفي ظلّ النفوذ الإيراني الواسع، وشبه الحصري في العراق، طوال عشرة أعوام، تلت سقوط النظام السابق، ليس هناك ما يمكن أن يفسر الإصرار الإيراني على إنشاء وتدريب وتسليح كلّ ذلك العدد الهائل من الميليشيات، تحت عناوين ورايات متعددة، ومتناقضة ومتناحرة، إلا الإقرار بوجود نوايا مضمرة بإبقاء العراق ضعيفاً، وهذا الهدف "اللئيم" هو الذي كان يدفع النظام الإيراني إلى "دقّ" كلّ هذا العدد من "الأسافين" في جسد الدولة العراقية الهزيل، وما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنّ الأمر لم يكن محض خطأ تاريخي، هو حقيقة؛ أنّ لدى النظام الإيراني تجربة مغايرة تماماً، وعقلانية تماماً في بلاده؛ فقد أبقى النظام الإيراني على الجيش الإيراني، وهياكل الدولة الإيرانية سليمة بالكامل، بعد انتصار "الثورة الإيرانية"، وطوال الأعوام التي تلت سقوط الشاه محمد رضا بهلوي، على الرغم من الشكوك العميقة التي كانت تساور خميني، وسائر قيادات "الثورة"، تجاه "ولاءات" الجيش والمؤسسات، وإمكانية نجاح "الفلول" في إعادة الحياة للنظام الملكي السابق، وبرّر هاشمي رفسنجاني ذلك فيما بعد، بأن أحداً من "الثوار" المنتصرين في إيران، لم يكن يريد إضعاف "إيران الدولة"، لكنّ هؤلاء "الثوار"، أو جلّهم على الأقل، حرصوا كلّ الحرص على التأكد من تفكيك الجيش العراقي، وكلّ هياكل الدولة العراقية، وأجهزتها الأمنية، بعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، ودفعوا القيادات العراقية إلى تبني هذا المطلب، والإصرار عليه كشرط أساسي للتعاون مع الولايات المتحدة، وهو ما يظهر جلياً سوء النوايا الذي كان مضمراً للعراق في المخيلة الإيرانية.

ولا شكّ في أنّ مصلحة العراقيين، بكل "أطيافهم"، اليوم وغداً، تكمن في دولة مستقلة وقوية، بغضّ النظر عن شكل الحكم الذي يمكن أن يجري التوافق عليه بين العراقيين، لكنّ بناء مثل هذه الدولة بات، للأسف، أمراً متعذراً، أو على الأقل بالغ الصعوبة، في ظلّ فوضى انتشار السلاح والميليشيات، التي تعطل الدولة، وترهب المؤسسات، وتعيق عمل الجيش العراقي، وتفرض قيوداً على سيطرته على أمن البلاد واستقرارها؛ بل أصبحت تزاحمه في أبرز وأهم صلاحياته الحصرية، مثل؛ عمليات إنتاج وتصنيع السلاح واستيراده وتصديره، ناهيك عن عمليات السيطرة والانتشار والمراقبة وجمع المعلومات.

 

إبقاء جسد الدولة العراقية هزيلاً ليس محض خطأ تاريخي بل أضمرت إيران إضعاف هذا البلد لأهداف لئيمة يخدم مصالحها

 

وقد يقول قائلٌ؛ إنّ إيران أيضاً لديها ميليشيا في الداخل، هي ميليشيا "الحرس الثوري"، وما يتفرع عنه من قوى عسكرية، وأذرع اقتصادية وإعلامية، وإنّ ما قامت به في العراق مجرد استنساخ لهذه التجربة، جرياً على نهج كلّ قوى النفوذ والهيمنة في العالم التي تسعى بشكل طبيعي إلى استنساخ نفسها في البلدان الواقعة تحت نفوذها، لكنّ مثل هذه المقارنة تنطوي على مغالطات واضحة؛ فـ"الثورة" في إيران أبقت على الدولة والجيش والمؤسسات، لكنّها صنعت دولة موازية، وجيشاً موازياً، ومؤسسات موازية، لكن الطبقة السياسية التي حكمت عراق ما بعد 2003 لم تُبقِ على دولة أو جيش، أو مؤسسات، في البلاد؛ بل ليس من المبالغة القول إنّها حتى لم تبقِ على الشعب الذي راح جزء كبير منه، بين قتيل وجريح ومهجَّر ونازح.

لا غرابة إذاً في أن يثور العراقيون اليوم ضدّ هذه الهيمنة الإيرانية، رغم نجاح محاولات إيران في تحريك كلّ المخاوف والهواجس، "الطائفية" والعرقية، العميقة في وجدان المجتمع العراقي، ونجاحها تبعاً لذلك، في منع تحقق أية "مصالحة وطنية شاملة"، تفتح الباب أمام بناء دولة مستقرة ومستقلة، ومتصالحة مع مختلف مكونات شعبها، ومحيطها الإقليمي.
أخيراً .. شعر العراقيون بوجود نوايا السوء الإيرانية المضمرة.

 

المصدر : حفريات

24/2/1441

23/10/2019

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع