إعلان الحرب على "إسرائيل" من الضاحية الجنوبية

عدد القراء 37

شادي علاء الدين

وصف رئيس "الجمهورية اللبنانية" ميشال عون واقعة استهداف طائرتين مسيرتين لموقع يعود لـ”حزب الله” في الضاحية الجنوبية، وما تلاه من هجوم بالطريقة نفسها على موقع لـ"الجبهة الشعبية" في قوسايا أنه إعلان حرب، يتيح للبنان استخدام كل الوسائل لمواجهته.

لعل أول ما يطرحه توقيت هذا التوكيد الرئاسي على حالة الحرب هو الدلالة المكانية المؤسّسة لإطلاقة، وتكريسه للضاحية الجنوبية كمكان يختصر البلد وينطق باسمه، ويفرض إعلان الحرب أو السلم قياساً على خصوصيته وأحواله.

تتوالى الاختراقات "الإسرائيلية" بشكل يومي، ولكن تقدير فداحتها ومدى تأثيرها الموجب لإعلان الحرب لم يكن حاسما إلا في لحظة  استهداف الضاحية، ما يعني أنه قد تم الإعلان رسميا أن الضاحية قد باتت المكان اللبناني كله.

 

لعل أول ما يطرحه توقيت هذا التوكيد الرئاسي على حالة الحرب هو الدلالة المكانية المؤسّسة لإطلاقة، وتكريسه للضاحية الجنوبية كمكان يختصر البلد وينطق باسمه

 

ويمكن لحالة الحرب المعلنة أن تستحضر ميادين الحرب وتفعلها من دون وقوع أي حرب فعلية، ولعل هذا تحديدا ما يريده “حزب الله” تماما في هذه المرحلة، لأنه يتيح له دفن كل النقاشات في البيئة والسياسة والاقتصاد الموشك على السقوط في هاوية كارثية،ورد كل شيء إلى عنوان واحد ووحيد، يحكم السيطرة عليه بشكل تام و هو العنوان الأمني.

ويمكن للمراقب أن يلاحظ أن ما جاء في خطاب نصر الله الأخير حول الرد في لبنان وليس منه قد أثار جدلا واسعا قبل أن يفسره موقف رئيس "الجمهورية" بشكل واضح. الرد في لبنان جاء عبر إعلان حرب ترافق مع عمليات تبريد متبادلة من جانب "إسرائيل" و”حزب الله”، حيث تزامنت التصريحات النارية  مع خطاب الرد المحدود والعمليات الموضعية .

تكتمل عملية تبادل المصالح بين “حزب الله” و"إسرائيل" حيث يدخل رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو الانتخابات مسلحا بحرب معلنة ولكنها مضبوطة الإيقاع، بشكل يتيح له الإعلان عن انتصارات واختراقات من دون المخاطرة الميدانية والبشرية، كما يستفيد “حزب الله” من جر كل المواقف الرسمية والشعبية  اللبنانية إلى نوع من إقامة جبرية تحت ظلال مواقفه واستراتيجيته.

لعل الاحتفاء الكبير بمقطع مصور يظهر جنودا من الجيش اللبناني يتصدون برشاشات (الإم 16) لمسيّرات "إسرائيلية"، يظهر مدى نجاح الحزب في فرض إيقاعه وتأويله للأمور.  مشهد التصدي ظهر وكأنه نوع من إثبات للوجود ليس إلا، وليس فعلا حربيا جديا.

في مقابل مشهد المواجهة الرمزي للجيش اللبناني المواكب بصيحات جمهور ظهرت جلية في المقطع وهي تهتف بإحدى "أناشيد “حزب الله”" "اضرب والريح تصيح"، يتجلى مغزى ما كان نصر الله قد أعلن عنه في خطابه الأخير حول امتلاكه لصواريخ قادرة على إسقاط المسيّرات.

لم تستعمل تلك الصواريخ بعد ولا نعرف ما إذا كانت ستستعمل أو لا، ولكن المشكلة لا تكمن هنا، بل تكمن في خطورة الرسائل الموجهة إلى الداخل اللبناني وإلى الخارج انطلاقا من توسيع شبكة السيطرة على الداخل.

تتصل أبرز الرسائل بما ألصق من تأويلات حول مشهدية تصدي الجيش للمسيّرات "الإسرائيلية"، وما كشفته من إصرار على شعرنة هذا التصدي ووصفه بمفردات الكرامة والبطولة والشرف، وأسره داخل حدود هذه المعاني بشكل يحرمه من أن يكون جيشا بأي شكل من الأشكال.  

الجيوش تنفذ الاستراتيجيات الدفاعية والهجومية، وتطلق عليها أوصاف البطولة في سياق تنفيذي، يعنى بإظهار القدرات الفاعلة والمؤثرة والحاسمة.  

عمل “حزب الله” على إخراج توصيفات الجيش من السياق التنفيذي، وأناط بنفسه تولي المهمات الخاصة بالجيش، وأدرج الأمر في سياق استراتيجية واسعة تتصل برؤيته لوظيفة بلد، يخدم أوضاع ايران التفاوضية على حساب أمنه واقتصاده.

كان نصر الله سابقا يقول فلنتقاتل في سوريا، ولكن تعقيدات الساحة السورية الأخيرة ودخول قوى كبرى لا قبل له بمواجهتها، منعته من انتزاع دور خاص له كحزب أو ميليشيا، خصوصا بعد حرص إيران على فصل نفسها كدولة تسعى إلى انتزاع شرعية عالمية والنطق باسمها عن الميلشيات المسيّرة من قبلها.

 ليس أدل على صعود هذا التوجه الإيراني من حرص نصر الله على التأكيد أن الاستهدافات "الإسرائيلية" الأخيرة في سوريا لم تكن لمواقع إيرانية على الإطلاق بل لمواقع تابعة للحزب، وأنه لم يسقط فيها أي إيراني بل فقط شباب ينتمون إلى صفوفه.

يأتي حرصه بعد ذلك على عدم الرد في سوريا بل في لبنان وليس منه استجابة  لظروف تفاوض إيران مع الغرب ومتطلباته الموجبة لإغلاق الساحة اللبنانية على واقع نفوذ “حزب الله”، وتشريع الساحة السورية على نفوذ إيراني ميداني يتخذ صفة "الشرعنة الدولية" تحت عنوان الحرب على "الإرهاب".

لا يخرج كل ما يجري في لبنان حاليا عن إتمام شروط إغلاقه على زمن الوصاية الإلهية الكاملة. تركّب للجيش صورة يعتريها النقص تمهيدا لضرب مشروع ترئيس قائده العماد جوزيف عون.

 وتحت ظلال الحالة الأمنية يستهلك “حزب الله” كل ما تبقى من موارد الدولة وقراراتها ويحول الضاحية الجنوبية إلى محجة الإعلام والسياسة وميدانا للإعلان الرسمي عن الحرب محولا البلد كله إلى "مطيباتي" يردد أصداء انفلاش صيغة مربعه الأمن على كامل الجغرافيا اللبنانية.

 يحدد “حزب الله” كل ما يمكن أن ينتجه البلد من معانٍ، لا بل أكثر من ذلك فقد تحول إلى راوي الحكاية اللبنانية في العالم وصاحبها.

 

وفي هذه الأثناء كان لافتا الإعلان الإيراني عن تصريف كامل حمولة ناقلة النفط"أدريان داريا" التي أفرجت عنها السلطات البريطانية والتي تبلغ أكثر من مليوني برميل

 

وفي هذه الأثناء كان لافتا الإعلان الإيراني عن تصريف كامل حمولة ناقلة النفط"أدريان داريا" التي أفرجت عنها السلطات البريطانية والتي تبلغ أكثر من مليوني برميل.

لا أحد يعلم من اشترى النفط الإيراني، وكيف مرت تلك الصفقة التي مدت إيران بملايين الدولارات في ظل عقوبات أميركية، تتزامن مع تفاوض لبناني "إسرائيلي" جدي حول ترسيم الحدود البرية والبحرية تمهيدا لشروع لبنان في استخراج نفطه.

يرتبط الشروع في استخراج النفط اللبناني بتفاهمات مع "إسرائيل" ولكن مصير هذا الملف ككل يتطلب "اتفاقية سلام" مع "إسرائيل"، تخرج أصوات لبنانية كثيرة تقول إن لبنان سيكون آخر من يوقع عليها.

ربما سيكون لبنان آخر من يوقع لأنه الأخير في قائمة اهتمامات الغرب والعرب والأخير في الموقع والمكانة، ولكن إيران يمكن أن تكون الأولى، وستتحول حينها من دولة مارقة إلى دولة مشاركة في صناعة خريطة الأمن والنفوذ في المنطقة.

ما قد ينطبق على إيران لا ينطبق على لبنان، فإيران لم تعلن الحرب على "إسرائيل" من طهران، ولكن الحرب على "إسرائيل" أعلنت من الضاحية الجنوبية، وتاليا فإن في تناقض التوصيف بين إيران الدولة ودولة الميليشيا اللبنانية الواقعة بالكامل بيد “حزب الله”، ما يغني عن توصيف المآلات و"البحث في المصائر".

 

المصدر : تلفزيون سوريا

29/12/1440

30/8/2019

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع