"حزب الله السوري" .. صناعة الوكلاء المحليين لإيران

عدد القراء 87

كريم شفيق

في ظل الحراك الثوري الذي اندلع في سوريا، منذ آذار (مارس) العام 2011، والذي تحول إلى نزاع وحرب أهلية، بعد أن جرى تطييف الصراع بواسطة نظام الأسد؛ إذ لعب بالورقة الطائفية، وضغط بها في حدودها القصوى، جاء الدور الإيراني على عدة مراحل، في لعبة البقاء التي واجهت النظام في دمشق، وتوغل ميدانياً وعسكرياً وسياسياً، بهدف ضمان مصالحه الإستراتيجية، وتحقيق أهدافه الأيديولوجية، وتأمين مناطق نفوذه في قلب منطقة الشرق الأوسط.

الدور الإيراني في سوريا
بيْد أنّ الدور الإيراني في سوريا، والذي يتماثل مع عدة أدوار إقليمية، اضطلع بها في المنطقة، يتقاسم عدة عناصر مشتركة، كما هو الحال في لبنان والعراق واليمن؛ إذ إنّه يعمد إلى بناء ميليشياته وقوات خاصة، والتي تأخذ صفة المؤسسية بعد ذلك، بحيث تكون بديلاً عن مؤسسات الدولة النظامية التي تدخل في تبعيتها.

 

في بداية 2014 انخرط عدد من عناصر “حزب الله” السوري في مسيرات لتأييد الأسد في مناطق الساحل السوري

 

وبينما تقوم تلك القوى البديلة على تخوم الدولة الضعيفة، والمؤسسات المهترئة، فإنّ هدفها الرئيس يكون إضعافها، والعمل على تهميشها، لتجهض أي فرصة لإعادة بنائها، وتعزيز قدراتها، مرة أخرى، كما جرى عند بناء وتأسيس "الحشد الشعبي" في العراق، و”حزب الله” في لبنان. ويصبح وكلاء إيران المحليون، بمثابة شركاء في الحكم، وتتحول هيمنتها الأيديولوجية والسياسية إلى إدارة شبه كاملة ومؤثرة
في خطأ فادح سرعان ما تداركته، وكالة فارس الإيرانية للأنباء، وتم حذفه خلال دقائق، لكنه من بين الأخطاء الكاشفة، التي تتستر خلفها دلالات عميقة، وتفصح عن سياسات وأهداف مكبوتة، جاء على لسان القائد السابق لـ"الحرس الثوري" الإيراني، حسين همداني، أنّ ثمة استعداداً بإرسال نحو 130 ألف مقاتل من عناصر الباسيج إلى سوريا، بهدف تشكيل “حزب الله” في سوريا.

وفي الخبر نفسه، الذي حمل التصريح "المحذوف" للهمداني، في أيار (مايو) العام 2015، استطرد: "بعون الله استطاع الإيرانيون تكوين “حزب الله” الثاني في سوريا".

التصريح جاء بالتزامن مع حديث للمستشار العسكري لـ"المرشد الأعلى"، علي خامنئي، اللواء يحيى صفوي، وقال فيه إنّ "هذه المرة الثالثة التي تتمدد فيها قدرة نفوذ إيران إلى البحر المتوسط، فدفاعنا لم يعد في شلمجة، وحدودنا الدفاعية حتى جنوب لبنان مع "إسرائيل"، وعمق دفاعنا الإستراتيجي وصل إلى البحر التوسط، وعمق "إسرائيل"".

تبدو المعلومات المتوافرة عن “حزب الله” السوري شحيحة، لكن أول ظهور لها جاء بعد إعلان فصائل سورية معارضة عن وجود قتلى، قبل أربع سنوات، من عناصر هذا الحزب على جبهات القتال، في معارك نشبت في القنيطرة ودرعا وحلب، وهو ما يكشف عن وجود سابق لها، قبل العام 2015، سيما في العام 2014، حيث ألمح حسين همداني، في تصريح صحافي له، أنّ عناصر “حزب الله” الثاني في سوريا، يقاتل في حلب تحت مسمى "القوات الشعبية".

وفي بداية العام 2014، انخرط عدد من عناصر “حزب الله” السوري، في المسيرات التي خرجت لتأييد الأسد، في مناطق الساحل السوري. ثمة تصريحات في تلك الفترة للرئيس السوري، بشار الأسد، قال فيها إنّه يرغب بأن تضحى سوريا "دولة مقاومة تشبه “حزب الله” من أجل سوريا والأجيال المقبلة".
تنتمي عناصر “حزب الله” السوري إلى "الطائفة الشيعية"، كما رصد مراقبون، وهم من مناطق ذات أغلبية شيعية، كالنبل والزهراء، في حلب، والفوعة وكفريا، في إدلب، بالإضافة إلى بعض قرى طرطوس، وريف حمص، ومن مدينة دمشق، يتوزعون بين حي الأمين وزين العابدين.

سياسة المربعات "المذهبية" والأمنية
تشير عدة دراسات إلى أنّ “حزب الله” السوري، والذي يتراوح عدد أفراده بين 60 و80 ألف مقاتل، يشبه غيره من الميليشيات التي أسستها طهران، حيث جاء تكوين عناصره وتدريبهم بإشراف من "الحرس الثوري" الإيراني، وتحديداً "وحدة القدس"، التي يقودها قاسم سليماني، وبالتعاون المباشر مع قيادات “حزب الله” اللبناني، والأخيرة، الذين تولوا عملية التدريب العسكري والميداني، واستخدام الأسلحة المختلفة، الثقيلة والخفيفة، بالإضافة إلى التثقيف العقائدي والأيديولوجي، والتعبئة الطائفية، وتوفير الدعم اللوجيستي.
وثمة إشارة إلى أنّ "الشيخ" ابراهيم بنود، المقيم في النبطية بجنوب لبنان، يعد "المرجعية الدينية والروحية" لهؤلاء الأفراد من عناصر “حزب الله” السوري.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإنّ "قوات الدفاع الوطني"، المكونة من عناصر سوريين شيعة، بعضهم تدرب في إيران، والآخرون، على يد قياديين في "حزب الله" اللبناني، هم بمثابة العضلة الأساسية لما يعرف بـ"حزب الله" السوري.
ومن جهته، يوضح المرصد، أنّ هناك ما بين 3 آلاف و3500 مقاتل شيعي، مدربين من "حزب الله"، بينما يحصلون على رواتب منه، لكن ثمة فئة أخرى، يقدر عددهم بين 10 و12 ألف مقاتل، يحصلون على رواتبهم من النظام السوري، لكن الأوامر العسكرية والتنفيذية الميدانية من الحزب بشكل مباشر.

ما أهداف الملالي في سوريا؟
"الهدف من إنشاء هذا الفرع هو تأسيس كيان عسكري في حزب سياسي، شبيه بوضع "حزب الله" في لبنان؛ إذ يسعى الحزب، والقائمون عليه، لإقامة كتلة عسكرية وسياسية، تتمدد بصورة إستراتيجية نحو دمشق". هكذا يوضح المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، الدلالات والأهداف من وراء بناء تلك القاعدة العسكرية والسياسية، في سوريا، حتى تتعطل من خلاله أي شكل من أشكال الحياة السياسية مستقبلاً، في حال تمت تسوية بين النظام والمعارضة، أو سقط النظام نهائياً.
ويرى المعهد الدولي المتخصص في الشأن الإيراني، أنّ إيران تعمل بالتنسيق مع "حزب الله" والنظام السوري، بهدف إنتاج منطقة جغرافية أقرب للجنوب اللبناني، وذلك من حيث التركيبة الطائفية والحزبية المسلحة بشعار "المقاومة"؛ إذ تستغل مشاعر الشعب السوري التاريخية، المعادية لـ"إسرائيل"، بغية تنفيذ أهداف إستراتيجية، تبقى على خدمة النظام السوري، والسياسة الإيرانية في الشرق الأوسط.

 

يشار إلى "الشيخ" ابراهيم بنود المقيم جنوب لبنان باعتباره "المرجعية الدينية والروحية" لهؤلاء الأفراد من عناصر “حزب الله” السوري

 

وتبدو فكرة “حزب الله” رائجة وسائغة في العقل السياسي لإيران، والذي يمكن أن نرى مماثله العضوي في عدة دول بالمنطقة والإقليم، التي تسعى أن تجعل منها إدارات محلية لطهران، سيما في المناطق الحيوية والإستراتيجية لها، كما هو الحال، عند تأسيس "الحشد الشعبي" في العراق، وأثناء حكم حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي السابق، الموالي لسياسة الملالي، وقبله “حزب الله” اللبناني، والذي يعد لاعباً قوياً بلبنان، وبمقدوره تمرير سياساتها، وتنفيذ أهدافها بكل السبل، لطالما هدد الآخرين بسلاحه وميليشياته، وقدراته التنظيمية والعسكرية الهائلة.
وفي حديثه لـ "حفريات"، يؤكد الباحث المصري، هاني سليمان، المتخصص في الشأن الإيراني، أنّ أهمية سوريا في الفكر الإيراني، تتمثل في كونها تقع في منطقة الهلال الشيعي، من جهة، وعمق إقليم منطقة الشرق الأوسط، من جهة أخرى، وهو ما يجعلها ذات مكانة إستراتيجية، تحقق على قاعدتها العديد من الأهداف، كما أنها تسعى إلى إيجاد رابط حيوي بين طهران و”حزب الله”، طوال الوقت، وتأمين ممرات لعبور السلاح بكل السبل.

وثمة تصريح لـ"المرجع الديني الإيراني" "مهدي طيب"، في العام 2014، ألمح إليه الباحث المصري، يؤكد فيه، بشكل صريح، على تلك الأهمية السياسية والإستراتيجية التي تحوزها دمشق داخل العقل السياسي الإيراني، حيث قال: "إذا هاجمنا الأعداء وكانوا يريدون أخذ إما سوريا أو محافظة خوزستان، فإنّ الأولوية هنا المحافظة على سوريا؛ لأننا إذا حافظنا على سوريا معنا، فسيكون بإمكاننا استعادة خوزستان أيضاً، ولكن إن فقدنا سوريا، لا يمكننا أن نحافظ على طهران".

 

المصدر : حفريات

5/11/1440

8/7/2019

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع