حقيقة القدس والمسجد الأقصى عند الانقلابيين من الشيعة

عدد القراء 73

الاعتداء على السفارات والهجوم على القنصليات الدبلوماسية صناعة إيرانية بامتياز حتى أصبحت ماركة مسجلة لها وحدها، صناعة إرهابية صدّرتها للخارج فتلقّفها أذنابها في الخليج والعالم العربي .

ما شاهدناه ورأيناه من أذناب إيران في العراق من اعتداء سافر على السفارة البحرينية بحجة رفض مؤتمر البحرين الاقتصادي المقام مؤخراً على أراضيها، إنما هو اعتداء مُكمّل لسلسلة الإجرام والإرهاب الإيراني في المنطقة .

للرفض وإعلان المقاطعة طرق سلمية وأساليب حضارية تعرفها الدول والجماعات المتحضرة، غير أن التحضّر والدبلوماسية في الرفض نراها منتفية عند إيران وأذنابها، ممن يتبعها من الانقلابيين في البحرين . فإن طريقة الرفض والعصيان عندهم يكون أشبه بأسلوب العصابات المجرمة، فنراه تارة بقطع طريق ، أو باختطاف رجل أمن ثم اغتياله بطريقة ماكرة بشعة، أو بالهجوم على سفارة أو اعتداء على قنصلية .
صعاليك الانقلابيين في البحرين ومن يتعاطف معهم في العراق من المعتدين على السفارة البحرينية لا يعرفون للسلم طريقاً، ولا للحوار مسلكاً و درباً، ولم يكن هجومهم الحقيقي على السفارة بدافع الغيرة على القدس وفلسطين، فلا يهمهم أي قضية إسلامية سوى قضيتهم الانقلابية الخاسرة، فهجومهم على السفارة سببه الحقيقي التخريب ونشر الفوضى والتشويش وحب الانتقام .

وفي ثنايا هذا المقال يتضح الحال حول موقفهم الحقيقي من القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك، ومن باب قاعدة ( من فمك أدينك ) فإننا سنعتمد على بطون كتبهم وما هو موجود فيها وهذا من باب الالزام المعرفي، جرياً بقاعدة ( ألزموهم بما الزموا به أنفسهم ) .

نسمع كثيراً شعارات تخرج من إيران وأذنابها في الخليج، وهي تتحدث عن القدس والمسجد الأقصى، بحيث جعلوا للقدس والمسجد الأقصى يوماً عالمياً، وذكرى سنوية بقصد تحريره من اليهود!.

وما هذه الشعارات إلا عبارة عن بروباغاندا وصرخات جوفاء مزيفة لما عُرف من حقيقة العلاقة السرية والتعاون العسكري بين إيران و"إسرائيل"، وأن حقيقة هذه الشعارات الزائفة، من باب ذر الرماد في العيون للضحك على ذقون أهل السُنة بقصد استجلابهم وعطفهم، ولإظهار صورة مشرقة لوجههم المظلم، ولدعوة أهل فلسطين إلى التشيَّع من طرف خفي، ومن باب أنّ الشيعة هم المدافعين المنافحين عن القدس والمسجد الأقصى.

والحقيقة غير ذلك، فإنّ القدس والمسجد الأقصى عند الشيعة ليس كأهميته عند أهل السُنة. بل يرون أنّ المسجد الأقصى الذي أُسري إليه النبي صلى الله عليه واله وسلم، إنّما هو في السماء ولا وجود له في الأرض!

مستدلين على ذلك بعدة روايات، ومنها ما رواه شيخهم القمّي في تفسيره عن إسماعيل الجعفي عن الإمام محمد الباقر: “إنه كان جالساً في المسجد الحرام فنظر إلى السماء مرة، وإلى الكعبة مرة، ثم قال سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وكرر ذلك ثلاث مرات، ثم التفت إلى إسماعيل الجعفي، فقال: أيّ شيء يقول أهل العراق في هذه الآية يا عراقي؟ قال: *يقولون أسري به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، فقال ليس كما يقولون ولكنه أسرى به من هذه إلى هذه، وأشار بيده إلى السماء*، وقال ما بينهما حرم”.(1)

وكما أخرج مفسرهم العياشي عن الإمام جعفر الصادق: ” أنه سُئل عن المساجد التي لها الفضل فقال المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، قيل *والمسجد الأقصى؟ فقال: ذاك في السماء إليه أسرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم*”.(2)

وعلى ضوء هاتين الروايتين وغيرهما أقرّ بعض كبار علماء الشيعة الإمامية، أمثال :

1ـ المفسر الفيض الكاشاني، حيث يقول : ” { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } : *أي إلى ملكوت المسجد الاقصى الذي هو في السماء كما يظهر من الأخبار*” . (3)

2ـ الشيخ محمد حيدر الجنابذي، حيث يقول: “( مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) *الذي في بيت المقدس أو إلى المسجد الاقصى الذي هو في السماء الرابعة* ” . (4)

3-الشيخ عباس القمي، حيث يقول : ” *والمشهور على أنّ المسجد الاقصى هو بيت المقدس، ولكن يظهر من الأحاديث الكثيرة أنّ المراد منه هو البيت المعمور الذي يقع في السماء الرابعة* “. (5)

4ـ السيد جعفر مرتضى العاملي، حيث يقول : ” *أنه حين دخل عمر بيت المقدس لم يكن هناك مسجداً أصلاً، فضلاً عن أن يُسمّــى أقصـى* “. (6) ويقول أيضاً : ” *المسجد الأقصى الذي حصل إسراء إليه، والذي بارك الله حوله، فهو في السماء*”. (7)

ويقول : ” ومنها قوله تعالى: (الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) فإنه إنما يناسب ما روي من *أنّ المراد بالمسجد الأقصى في الآية هو مصلى الملائكة في السماء الرابعة*، فإنه هو الذي تمتد البركة منه إلى ما حوله.. بسبب انتشار الملائكة الذين لا يفترون عن تسبيح الله وتقديسه ” . (8)

5ـ الشيخ محمد جميل حمّود، حيث يقول : ” *تواجد المسجد الأقصى كان في السماء المعمورة وهي من سماء الدنيا، وبالتالي يكون إطلاق الإسراء على المسجد الأقصى إطلاقاً حقيقياً على السماء المعمورة في السماء الدنيا وليس في فلسطين* ” . (9)

ويقول أيضاً : ” والحاصل: *إنّ هذه الأخبار الدالة على أنّ المسجد الأقصى في السماء حاكمة على الأخبار الدالة على أنه في فلسطين، وهي في أغلبها من مصادر العامّة وطرقها فلا يصح الاعتماد عليها* وجعلها حاكمة على الأخبار الأُخرى ” . (10)

إنّ قضية احتلال القدس والمسجد الأقصى لا تُشكل أمراً أولوياً مهما عند الشيعة الإمامية!
*
بل قدّموا عليها غيرها، فجعلوا كربلاء أكثر قدسيّة من القدس والمسجد الأقصى!* (11)

ففي افتتاحية لمجلة المنبر “الشيعية”، كُتبَ تحت عنوان: ( *قبل القدس..حرروا كربلاء* ).
جاء في مطلع الافتتاحية: “… *إذا كانت القدس تُوصف بأنها أُولى القبلتين وثالث الحرمين وتكتسب قداستها من معراج خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله منها، فإنّ كربلاء هي أقدس وأشرف بقاع الأرض جميعاً* ـ بما فيها مكة والمدينة ـ بنص المعصومين إذ تكتسب قداستها من احتضان أرضها لجثمان ثأر الله وبضعة رسوله الإمام أبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه، الذي اختلطت دماؤه الزاكية بذرات رمل هذه البقعة فحازت بذلك شرفاً ما بعده شرف إذ أصبحت كعبة الأحرار، ومهوى الأفئدة، ومحجّة الموالين، ومقصد كل ذي حاجة وفاقة”. (12)

وقال أيضاً: ” *القدس ليست قضيتنا الأولى.. كربلاء هي القضية الأساسية* “.(13)

وأضاف الكاتب: ” *ومع ما للقدس من شرف وقداسة ؛ فإنها تبقى بعد كربلاء، فليست القدس ككربلاء ولا الصخرة كالحسين، ولا المسجد كالحرم* “. (14)

وهذا أحد أعلام الشيعة الإمامية ويُدعى السيد علي خان الشيرازي له قصيدة يرفع فيها من شأن النجف وقبر علي رضي الله عنه، على القدس، نقلها محسن الأمين في كتابه : (أعيان الشيعة)، حيث يقول: “شعره له ديوان شعر مخطوط في 183 صفحة متوسطة تُوجد منه نسخ عدة في العراق وأكثره مراسلات ومدائح في أبيه وفيه عرسيات كثيرة. وله فيه قصيدة قالها عند زيارته أمير المؤمنين (ع) في النجف أولها:

يا صاح هذا المشهد الأقدس

قرت به الأعين والأنفس

والنجف الأشرف بانت لنا

أعلامه والمعهد الأنفس

والقبة البيضاء قد أشرقت

ينجاب عن لألائها الحندس

*حضرة قدس لم ينل فضلها*

*لا المسجد الأقصى ولا المقدس* “(15)

ووافقه وشاركه في فضل مسجد علي رضي الله عنه بالنجف على المسجد الأقصى، شيخهم عبدالحسين الأميني حيث قال: “ومن غرر شعر شاعرنا المدني قوله يمدح به أمير المؤمنين عليه السلام لمّا ورد إلى النجف الأشرف مع جمع من حجاج بيت الله:

يا صاح هذا المشهد الاقدس

قرت به الاعيـن والانفـس

والنجف الاشرف بانت لنا

اعلامه والمعهـد الانفـس

والقبة البيضاء قد اشرقت

ينجاب عن لألائها الحندس

حضرة قدس لم ينل فضلها

لا المسجد الاقصى ولا المقدس”.(16)

ونتيجة لهوان القدس والمسجد الأقصى عندهم، جعلوا مسجد علي رضي الله عنه ـ في الكوفة سابقاً والنجف حالياً ـ أفضل منه في الأجر!، فرووا خلاف أهل السُنة في ذلك، حيث نسبوا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ” *لا تُشد الرجال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة*”. (17)

قال محقق الكتاب علي أكبر الغفاري، معلقاً على هذه الرواية: “يعني لا ينبغي شد الرحال للسفر إلى المساجد، إلاّ إلى هذه الثلاثة لفضلها الذاتي، *وشرفها الذي ليس لغيرها*”. (18)

كما روى شيخهم الكليني: “عن الإمام جعفر الصادق قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهو في مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فرد عليه، فقال: *جعلت فداك إني أردت المسجد الأقصى، فأردت أن أسلم عليك وأودّعك، فقال له: وأيّ شيء أردت بذلك؟ فقال: الفضل جعلت فداك، قال: فبع راحلتك وكل زادك وصل في هذا المسجد* فإنّ الصلاة المكتوبة فيه حجة مبرورة، والنافلة عمرة مبرورة، والبركة فيه على اثني عشر ميلاً، يمينه يمن ويساره مكر وفي وسطه عين من دهن وعين من لبن وعين من ماء شراب للمؤمنين وعين من ماء طهر للمؤمنين منه سارت سفينة نوح وكان فيه نسر ويغوث ويعوق وصلى فيه سبعون نبياً، وسبعون وصياً، أنا أحدهم وقال بيده في صدره ما دعا فيه مكروب بمسألة في حاجة من الحوائج إلا أجابه الله وفرّج عنه كربته”.(19)

وبعد ان وضحت حقيقة مكانة القدس الشريف والمسجد الأقصى في قلوب هؤلاء الزمرة المخربة والمعتدية على السفارة البحرينية ببغداد، أقول أن اعتدائهم وهجومهم هذا إنما كان بقصد نشر الفوضى والتخريب وإثارة الفتن والبطش والانتقام، فلا مكانة حقيقة ولا قيمة فعلية ـ في قلوبهم ـ للقدس الشريف ولا للمسجد الأقصى ولا لفلسطين وأهلها، لذا يجب علينا ألا نغتر بعد ذلك لأي شعار أو مظاهرة أو موقف منهم.

 

كتبه/عبدالرحمن السقاف.

ــــــــــــــــــــــــــــ

ـــ
(1) تفسير القمّي لعلي بن إبراهيم القمّي (2/243).
(2)
تفسير الصافي لمحمد حسين والمعروف بالفيض الكاشاني، (3/166).
(3)
تفسير الصافي لمحمد حسين والمعروف بالفيض الكاشاني ، (3/166) .
(4)
بيان السعادة في مقامات العبادة لمحمد بن حيدر الجنابذي، (2/431) .
(5)
منتهى الآمال لعباس القمي، (1/120) .
(6)
الصحيح من سيرة النبي الأعظم لجعفر مرتضى العاملي، (3/137) .
(7)
الصحيح من سيرة النبي الأعظم لجعفر مرتضى العاملي، (3/128،129).
(8)
طــريـــق الــحـــق لجعفر مرتضى العاملي، صفحة (206) .
(9)
الموقع الرسمي لمحمد جميل حمود • القسم الرئيسي : الفقه . • القسم الفرعي : استفتاءات وأجوبة . • الموضوع : المسجد الأقصى في السماء المعمورة وليس في الأرض . بتاريخ 12 رجب الأصب 1435هـ .
(10)
الموقع الرسمي لمحمد جميل حمود • القسم الرئيسي : الفقه . • القسم الفرعي : استفتاءات وأجوبة . • الموضوع : المسجد الأقصى في السماء المعمورة وليس في الأرض . بتاريخ 12 رجب الأصب 1435هـ .
(11)
صرح رئيس الوزراء العراقي، الشيعي نوري المالكي، تصريحاً خطيراً حيث جعل كربلاء قبلة للمسلمين! متناسياً بذلك مكة وكعبتها المشرفة، حيث نشرت قناة العراقية تصريحه هذا، حيث قال في كلمة ألقاها في مقر قيادة الفرات الأوسط في أواخر عام 2013م : ” لأنّ كربلاء يجب أن تكون هي قبلة العالم الإسلامي لأنّ فيها الحسين، وإن شاء الله تمنياتي على الحكومة المحلية أن يُعجّلوا ويُسرّعوا في تطوير الخدمات اللائقة المناسبة لاستقبال زوار الإمام الحسين في كل المناسبات، وزائري الإمام الحسين ليسوا فقط في المناسبات التي نحييها في العاشر أو المحرم أو في الأربعين وإنما في كل جمعة بل في كل يوم لأنه قبلة، والقبلة نتجه إليها في كل يوم خمس مرات وكذلك الحسين هو ابن هذه القبلة التي أوصانا الله تبارك وتعالى أن نتجه إليها ” .
(12)
مجلة المنبر، العدد (23)، السنة الثالثة، محرم 1423هـ / مارس 2002م، صفحة (3).
(13)
مجلة المنبر، العدد (23)، السنة الثالثة، محرم 1423هـ / مارس 2002م، صفحة (3).
(14)
مجلة المنبر، العدد (23)، السنة الثالثة، محرم 1423هـ / مارس 2002م، صفحة (3).
(15)
أعيان الشيعة لمحسن الأمين، (8/153).
(16)
الغدير لعبدالحسين الأميني، (11/350).
(17)
الخصال لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي والمعروف بالصدوق، صفحة (١٤٣).
(18)
الخصال لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي والمعروف بالصدوق، صفحة (١٤٣).
(19)
الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، (3/491). وكتاب : (تهذيب الأحكام) لمحمد بن الحسن الطوسي، (3/251)، و كتاب : (كامل الزيارات) لجعفر بن محمد بن قولويه، صفحة (٨٠).
(20)
ذكر هذه المعلومة الدكتور الكويتي عبدالله النفيسي في لقاء معه على قناة العربية، في برنامج : (واجه الصحافة) مع داود الشريان، عام 2011م .

 

المصدر : حقائق غائبة – عبدالرحمن السقاف

25/10/1440

28/6/2019

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع