صفحات من حياة الشيخ: عمر الأشقر حفظه الله رسائل تحذيرية إلى قادة المقاومة الفلسطينية

عدد القراء 1497

مازالت أصداء كتاب "صفحات من حياتي" (الطبعة الأولى 1430هـ - 2010م) للشيخ: عمر الأشقر حفظه الله حول حياته العلمية والدعوية يقرع صداه أرجاء العالم ، بما حواه من فوائد وخبرات دعوية وعلمية لحياة حافلة بالعطاء والتجربة، والشيخ غني عن التعريف فقد أثرى العالم الإسلامي بقلمه وفكره وعطائه، وكان له الدور الأبرز في تأسيس وبلورة فكر ومنهج  حركات المقاومة الفلسطينية الإسلامية.

ونحن في هذا المقال نقتطف بعضاً من ثمرات خبرته ووصاياه بما يحمي لفلسطين عقيدتها ويدفع عنها كيد من يحاولون خداعها باسم الدين ليصلوا إلى مآربهم ويلوثوا عقيدة وفكر هذا الشعب المجاهد، ونحن هنا نطرحها أمام قادة الفصائل الفلسطينية ليحذروا ويتحملوا مسئولياتهم تجاه شعبهم وأمتهم.

 

ولنترك الكلام لفضيلة الشيخ وهو يبحر بنا عبر كتابه الماتع.

 

أسفاري في هذا العالم

 

فوجئت في أحد المؤتمرات وكان قد عقد في بريطانيا أنهم دعوا عالماً شيعياً، تحدث إلى الشباب المسلم هناك عن نظرية ولاية الفقيه، وكان صريحاً في حديثه عن الشيعة ومعتقداتهم، فأثارني ذلك وهيجني، ودعوت أحد القائمين على المؤتمر، وأنكرت عليه ومن معه دعوتهم لذلك العالم الشيعي ليتحدث عن الشيعة، وليس فيهم شيعي واحد، وطلبت منهم الإذن بأن يسمحوا لي بالحديث معقباً عليه، فذهب وكلم المسئولين عن المؤتمر فرفضوا، فقلت له: لكم ترفضوا فأنتم أصحاب الأمر هنا، ولكني لن أبقى في موضع يُأذن للشيعي أن يتحدث لأبناء أهل السنة، ويمنع العالم السني أن يتحدث إليهم، وقمت مصمماً على مغادرة المكان، فقال: أين تذهب، قلت : لا شأن لكم بي، وسأجد طريقي مغادراً إلى لندن.

فطُلب مني أن أتمهل قليلاً، وانطلق معلماً المسئولين بموقفي، وتمخض الموقف عن إذنهم لشخص آخر غيري، يزعمون أنه ألطف مني، ليعقب على ذلك العالم، وفعلاً عقب تعقيباً حسناً لا بأس به، ولكنه لم يشف، ولم يكف، وغادرت بريطانيا متوجهاً إلى أمريكا لحضور مؤتمرهم، وأنا متألم جداً لما وقع في مؤتمر بريطانيا.

وحدثت الإخوة في أمريكا عما جرى في بريطانيا، وكان بعض المسئولين من طلبتي في الكويت، فأخبروني أن هناك توصية عامة صدرت إلى جميع المراكز الإسلامية توصي بعدم مهاجمة الشيعة، وعدم الحديث عنهم، فقلت: ما دام الأمر كذلك فالواجب على المسئولين في بريطانيا عدم استضافة هذا الرجل الشيعي ليتحدث في المؤتمر.

وأخبرتهم أنني سأتحدث عن الشيعة في مؤتمرهم عرضاً، ولن أطيل في الحديث عنهم، فقالوا: الذي نستطيع أن نقوله لك : لا تجعل موضوعك الشيعة، وفعلاً تحدثت في تلك المحاضرة عن " تصويب المسار" ، وأوردت كثيراً من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها المسلمون في العالم الإسلامي، وذكرت في أثناء ذلك بعض الأخطاء الكبرى عند الشيعة، ولم أطل في الحديث عنهم، فأثار كلامي عن الشيعة حفيظة الحاضرين، وكان عدد الحاضرين قريباً من الخمسة آلاف من الرجال والنساء، وكنت قد اختصرت المحاضرة، تاركاً الفرصة للأسئلة.

وقد تواردت الأسئلة المكتوبة، وامتلأت بها الطاولة الطويلة العريضة التي أجلس إليها بالأوراق، وتسعون في المائة من تلك الأسئلة كانت عن الشيعة، فبينت مذهبهم الذي يعتمدون عليه، والأصول التي لا يكون شيعياً من لا يعتنقها، واهتاج كثير من الحاضرين، وكان في المؤتمر عدد من الطلبة الشيعة، وأخذ بعضهم في البكاء فزاد من هياج المشاركين، ثم تحدث بعض الطلبة الشيعة، فانقلب السحر على الساحر، قال ذلك المتحدث: نحن لا نسب أبا بكر وعمر ولكننا نسب عائشة بنت أبي بكر، فتركته يسترسل في حديثه، وذهل الحاضرون من الطلبة السنة، وقالوا : كيف تسبون عائشة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم التي برأها الله من فوق شبع سماوات، ومال جو المؤتمر بعد ذلك لصالحي، وقد أذن لي بعد ذلك أن أقول الحق الذي يجب قوله في ذلك المؤتمر، وبينت أن كلام من يقول: إن الخميني قد خلا من التعصب المذهبي، وأنه مبرأ مما يقوله الشيعة، وزعموا أن الشيعة المعاصرين ليس فيهم بلاء الشيعة الغابرين، وكنت قد درست كتاب الحكومة الإسلامية للخميني، فألقيت على مسامعهم ما يقوله الخميني في ذلك الكتاب، وإذا به شيعي كغيره من الشيعة، وتبين لمن سمعني أنه لا فرق بين شيعة اليوم وشيعة الأمس، وتناقلت وسائل الاتصال أخبار هذه الندوة، ووصلت إلى مختلف أنحاء العالم، وكسرت ذلك الحصار الذي فرضه بعض الأخيار في الحديث عن الشيعة.

وقد كنت في مصر بعد ظهور الخميني وقدر لي أن أتلقي بكثير من الطلبة الفلسطينيين الذين يدرسون في القاهرة، ورتبت لهم زيارات إلى منزلي الذي استأجرته في مدينة نصر، فكان يزورني في كل مرة قرابة خمسة عشر طالباً فأحدثهم طويلاً عن الشيعة، وناقشت بعض الطلبة الذين جاؤوا من الأردن للدراسة في القاهرة، فعجبوا لحديثي، وقد رفضوا الاستماع لي في أول الأمر، ولكن الحقائق التي أريتهم إياها في كلام الخميني فعلت فعلها فيهم.

وقد كنت كتبت رسالة صغيرة تظهر موقف الخميني من الشيعة والتشيع، وأنا في الكويت، ووجهتها إلى بعض القيادات الإسلامية الذين كانوا في اجتماع في القاهرة، وكم آلمني أنهم لم يجدوا وقتاً للاستماع لخلاصة تلك الرسالة.

واليوم بعد أن كشف الشيعة عن الوجه الحقيقي لهم وعن جهودهم في تشييع أهل السنة ثار كثير من العلماء الذين كان لهم موقف مخالف لموقفنا من الشيعة، وتكلم بعضهم محذراً من الخطر الشيعي، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وقد أخذ الشيعة يتسللون إلى أهل السنة في ديار أهل السنة في مصر وسوريا والأردن وغيرها، وقد أرادوا أن يقيموا حزباً كحزب الله اللبناني في الأردن، فانتبه ولاة الأمر في الأردن لذلك، ومنعوا الشيعة من التفريخ والتوالد في هذه الديار، وقد أغضب هذا الشيعة، ولكنه حفظ الأردن من هذا الخطر، ولكن الشيعة فرخوا وباضوا في سوريا ومصر وغيرها من بلاد أهل السنة.

وقد أعلمني بعض الإعلاميين الذين يستقصون أمر الشيعة، أن الشيعة أقاموا عدة مطابع في العالم تصدر مئات الألوف من كتبهم، توزع على أبناء أهل السنة في كل مكان، وقد أصبح للشيعة دولة كبيرة، تبذل جهدها في تأصيل المذهب والدعوة إليه، وأصبح للشيعة قنوات فضائية كثيرة تبث بالعربية، وتدعو الناس للانضمام لمذهبهم.

وقد حدثني الذين حضروا معرض الكتاب الدولي في القاهرة في عام (2006م) أن الدولة أذنت لمن يبيع الكتب التي تهاجم الشيعة وترد عليهم، وكان ذلك واضحاً بيناً، وكانت قبل ذلك تضيق على من يعرض كتب الشيعة.

 

وفي معرض حديثه حول مؤلفاته التي ملأت الدنيا وكتب لها القبول في الأرض، وخصوصاً ما كان منها في باب تأصيل عقيدة أهل السنة والجماعة، فيقول:

 

مؤلفاتي بين الإشادة بها والنقد لها

 

لم تخل المؤلفات التي ألفتها من الإشادة بها من بعض الذين يحسنون الظن بها، والنقد من الذين لهم رأى فيها، وقد يكون النقد قريباً، وقد يكون شديداً.

وأنا لا أعبا بنوعين من النقد :

الأول : نقد خصوم الإسلام الذين يحقدون على الإسلام وأهله، وهؤلاء أعداء والأعداء قليل منهم المنصف العادل، وقد نال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من خصومه وأعدائه وأقوال الخصوم هي عندنا في الإسلام بمثابة الشهادة لنا، فلا يضيرنا ما قالوه فينا .

والثاني: نقد الفرق الضالة التي وإن ضمنا وإياها الإسلام، ولكنها مخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة.

وهذا النمط أيضاً نمط سيء من النقد، فنحن نختلف من أصحاب هذا النمط في أصول كبرى، ونعد هؤلاء فرقاً ضالة ولا نكفرها على وجه العموم .

وقد وجه نائب برلماني في إحدى الدول العربية سؤالاً في مجلس الأمة إلى وزير التربية في بلدة حول قيام بعض مدرسي كلية الشريعة بتدريس كتابي " نحو ثقافة إسلامية أصيلة" وكان ذلك في عام 2005 .

وجاء في سؤال هذا الرجل أن الكتاب يتضمن مزاعم مشوهة للمعتقدات الدينية والمذاهب الإسلامية كافة، بشكل متعمد، وزعم أنني بعيد عن روح الأمانة العلمية وحرية التعبير عن الرأي، وتعسف هذا الرجل في طلبه من وزير التربية أن يرفع إليه أسماء الأساتذة الذين يدرسون هذا الكتاب.

وهذا رجل حاقد موتور عبأه الحقد الطائفي على سلفنا من الصحابة والتابعين والفقهاء الأعلام، فهو من الذين لا يسبون عمر الأشقر فحسب، بل يسبون عمر بن الخطاب والصحابة إلا قليلاً منهم .

وهذا وأمثاله لا نعبأ بهم، ولا نلتفت لهم، ولا لنقدهم .

أما الذين هم على مذهب أهل السنة والجماعة، فكثير منهم حظيت هذه المؤلفات برضاهم، فأشادوا بها، ودلوا عليها، وبعضهم من أهل العلم من نقدها نقد العارف، ودل صاحبها على بعض الأخطاء التي وقع فيها، ودعا بعض المسئولين المؤلف للمشاركة في مؤلفات تقوم الأجهزة التي يقومون عليها بطباعتها ونشرها، وبعض الذين ينسبون إلى العلم هاج وماج وأرغى وأزبد واتبع هواه، وقال في ما أنا بريء منه.

 

ويأتي حديثه في الرد على شبهة "المسجد الأقصى في السماء" تأكيداً لما قامت به لجنة الدفاع عن عقيدة أهل السنة-فلسطين عندما نشرت إصدارها "الشيعة والمسجد الأقصى" لمؤلفه الشيخ: طارق حجازي حفظه الله، والذي أوضح فيه حقيقة معتقد الشيعة في المسجد الأقصى، وكيف تناولوا مقولة "أنه في السماء" وروجوا لها في مؤلفاتهم، وأخذها عنهم المستشرقين واليهود من بعدهم.

 

الأقصى في الأرض وليس في السماء

 

    يدعي بعض من يُنسب إلى الإسلام أن المسجد الأقصى ليس في الأرض، بل هو في السماء، وأنه الذي يسمى بالبيت المعمور.

    وقد تلقى هذا القول المتهافت بعض المستشرقين، وبعض اليهود، وهذا قول باطل، وأهل العلم الذين يعتد بقولهم مجمعون على أن المراد بالمسجد في الآية الكريمة هو المسجد الأقصى المعروف في مدينة القدس.

    ولو كان هو الذي في السماء لما قال: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) الإسراء:1؛ لأن السماء كلها مباركة ، وأول ما يدخل في الأرض المباركة أرض فلسطين ، وهي موطن نبي الله سليمان الذي قال الله فيه : (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ) الأنبياء :81.

     والأرض المباركة التي حول الأقصى هي الأرض التي نجَّى الله إبراهيم ولوطاً إليها (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء:71.

     وهي الأرض المقدسة التي أمر موسى قومه أن يدخلوها قائلاً: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ) المائدة:21.

    وقد بني هذا المسجد بعد بناء المسجد الحرام بأربعين سنة، والبيت المعمور مبني في السماء قبل ذلك بدهور لا يعلمها إلا الله ، روى البخاري في صحيحه عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : (( سمعت أبا ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال : المسجد الحرام . قال : قلت : ثم أيّ ، قال : المسجد الأقصى . قلت : كم كان بينهما؟ قال : أربعون سنة، ثمَّ أينما أدركت الصلاة فصله، فإن الفضل فيه )).]البخاري: 3366، ومسلم : 520[ .

    وهذا المسجد هو الذي كان يصلي إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر قبل أن يوجه في صلاته إلى الكعبة ، ففي صحيح البخاري عن " البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال : أخواله من الأنصار، وأنه صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهراً ، أو سبعة عشر شهراً" ] البخاري:40، ومسلم:525[.

    وقد أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه " ركب البراق ليلة الإسراء، فركبه حتى جاء به بيت المقدس، ثم دخل المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم عُرج به إلى السماء " ] مسلم:259[.

    وعندما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة وأخبر قريشاً بإسرائه إلى المسجد الأقصى، فأخذوا يسألونه عن أشياء في بيت المقدس لم يثبتها، فكربه ذلك، فرفع الله المسجد إليه ينظره عياناً، فما سألوه عن شيء إلى أنبأهم به، وأخبرنا في هذا الحديث أنه صلى بالأنبياء إماماً، ووصف هيأة موسى وعيسى وإبراهيم عليهم السلام.]مسلم:72[.

    وهذا غيض من فيض يدلنا على أن المسجد هو المسجد الذي في القدس، وليس كما يقول من قال: إنه في السماء.

    والذي دعا من زعم أن الأقصى في السماء أن الإسراء كان قبل فتح القدس، والمسجد إنما بناه عمره بعد فتح القدس ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم،وغفل هؤلاء بسبب عدم علمهم بالسنّة النبوية أن المسجد قد يُطلق في السنّة على أماكن العبادة عند السابقين، ففي حديث أبي ذر الذي رواه البخاري وأوردته قبل قليل تسمية المعبد الذي في القدس مسجداً، وشبيه بهذا ـ كما يرى ابن تيمية ـ أن الكتب السماوية، وهي التوراة والإنجيل والقرآن والزبور قد يراد بها الكتب المعينة، ويراد بها الجنس، فيعبر بلفظ القرآن عن الزبور وغيره، كما في حديث البخاري أنه: "خفف على داود القرآن فكان ما بين أ، تسرج دابته إلى أ، يركبها يقرأ القرآن".قال ابن تيمية " المراد به قرأنه، وهو الزبور، وليس المراد به القرآن الذي لم ينزل إلا على محمد".

    وكذلك ما جاء في صفة أمة محمد: " أناجيلهم في صدورهم" فسمى الكتب التي يقرؤونها أناجيل، وكذلك في التوراة: " إني سأقيم لبني إسرائيل نبياً من إخوتهم أنزل عليه توراة مثل توراة موسى" فسمى الكتاب الثاني توراة.]الجواب الصحيح:5/156[.

 

نسأل الله تعالى أن يحفظ الشيخ: عمر الأشقر، ويمد في عمره، ويجعله درعاً حصيناً في الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، ويبارك في علمه وعمله.

 

وآخر دعوانا أن والحمدلله رب العالمين

 

منذر النابلسي

 

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع