إيران والعرب وقمم مكة المرتقبة

عدد القراء 42

نيرفانا محمود

خلال زيارته للعراق، أكد وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف أن بلاده لديها رغبة في بناء علاقات متوازنة مع كل الدول الخليجية، ثم قال : "اقترحنا اتفاقية عدم اعتداء مع الدول الخليجية المجاورة".

وتتزامن هذه التصريحات مع إعلان طهران عن جولة خليجية لنائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لثلاث دول خليجية وهي سلطنة عُمان والكويت وقطر.

هدف التصريحات والزيارات الإيرانية واضح؛ يسعى النظام الإيراني لإحداث أكبر قدر من التصدع والانقسام بين البلاد العربية وبالأخص الخليجية قبل القمتين العربية والخليجية المقرر عقدهما في مكة المكرمة،ومنع الوصول لأي توافق عربي وخليجي ضد النظام الإيراني.

 

نحتاج سياسة تمزج الصلابة بالمرونة، بعيدا عن التشنج والعاطفية والرفض المطلق

 

يتبع النظام الإيراني سياسة "الغموض الاستراتيجي" في مواجهته مع الرئيس الأميركي وحلفائه الخليجيين. فأحيانا يهدد، وأحيانا أخرى يلوح بالسلم، على أمل أن يشق الصف الخليجي ويقسمه إلى "حمائم وصقور".

ما تتوقعه ـ وتتمناه ـ القيادة الإيرانية هو أن تسارع المملكة العربية السعودية وحلفاؤها برفض العرض الإيراني، وأن تخرج القمم المرتقبة في مكة ببيانات رنانة متشنجة ترفض وتشجب الممارسات الإيرانية، ولكن لا تغير بالضرورة قواعد اللعبة في منطقة الخليج.

جريدة القبس الكويتية رفضت العرض الإيراني وكتبت في افتتاحيتها : "لسنا بهذه السذاجة يا إيران". أتفهم تعليق الصحيفة. فكما كتب د. أحمد فراج : "كيف تتحاور مع نظام فاشي ومؤدلج".

صحيح أن الصدق في الحوار ليس من خيارات النظام الإيراني، لكنه نظام يجيد "لعب الشطرنج" ويعلم كيف يتلاعب بالمعطيات واللاعبين ليخرج من أزماته.

مشكلة العرب أنهم دائما كالكتاب المفتوح الذي يسهل للإيرانيين قراءته ومن ثم مواجهته. ولذلك، فالوضوح هو آخر شيء يحتاجه العرب في مواجهتهم الحالية مع إيران. ومن الأفضل أن تواجه سياسة المراوغة الإيرانية بـ"برغماتية عربية" تربك الإيرانيين وتشتت قواعد لعبتهم.

فمثلا، دعوة ظريف لتوقيع اتفاقيات عدم اعتداء مع دول الخليج لا يمكن أن ترفض، ولكن تقابل بعرض مقابل يدعو الحكومة الإيرانية لتوقيع اتفاقيه عدم اعتداء مع حكومة الرئيس هادي الشرعية في اليمن والتعهد بعدم إمداد الحوثيين بالسلاح.

بالطبع لن يوافق الإيرانيون على هذا العرض، ولكن قلب الطاولة عليهم وكشفهم أمام المجتمع الدولي سيكون نصرا ولو صغيرا للجانب العربي.

كذلك الأمر بالسنبة للوساطات العربية؛ لا يجب رفضها. بالعكس، أهلا وسهلا بها.

فالعراق، على سبيل المثال، قد أعلن على لسان رئيس الوزراء، عادل "عبد المهدي" أن بلاده ستلعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة الأميركيةوأعلن وزير خارجية سلطنة عُمان، يوسف بن علوي، أن بلاده تسعى جاهدة لتهدئة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

من يريد الوساطة أهلا وسهلا به، فإن نجح فالخير للجميع وإن فشل فسيظهر كوسيط فاشل لم يستطع تحريك المياه الراكدة.

ولكن "البرغماتية" يجب أن تدعم بصلابة في المطالب ووضوح في الرؤيا، وخصوصا في الملف النووي الإيراني.

فسواء قرر الرئيس الأميركي أن يتفاوض مع إيران ـ وهو احتمال وارد بقوة ـ أو يوجّه لها ضربة عسكرية، فمن المهم أن تسعى المملكة العربية السعودية وحلفاءها إلى ضمان أمن وسلامة الخليج بغض النظر عن الطريق والأسلوب الذي سيتبعه الرئيس الأميركي.

ويكون ذلك عن طريق طرح مطالب واضحة :

أولا؛ ضرورة ضم الدول الخليجية إلى أي مباحثات مستقبلية بين الولايات المتحدة وإيران بخصوص اتفاقها النوري وصواريخها الباليستية. هذا الاقتراح ليس بجديد، ولكن من المهم بلورته والتأكيد عليه الآن، والمطالبة به، ولا يجب أن تقتصر المطالبة على الولايات المتحدة، بل يجب أن تطال أوروبا وروسيا.

ثانيا؛ تطوير المنظومة الأمنية في الخليج. وهذا يكون عن طريق تكوين منتدى أمني جديد مجهز بأحدث الأجهزه الإلكترونية لمنع أي اعتداء على السفن التجارية ومنع تكرار حادثة استهداف ناقلات النفط في الفجيرة، ورصد المسؤول عن أي عمليات تخريبية وتقديمه للعدالة.

بالطبع هذا ليس سهلا، وسبق أن طرح، من دون أي نجاح في لبورته. ولكن آن الآوان لعرضه من جديد كشرط أساسي لرفع العقوبات عن طهران.

تساءل الكاتب عبدالرحمن الراشد في إحدى مقالاته : "ماذا لو غدر بنا ترامب؟". سؤال مهم بالتأكيد، ولكني أعتقد أن هناك سؤال آخر أهم: ماذا لو غدرنا بأنفسنا في صراعنا مع النظام الإيراني؟

تعود العرب في صراعهم مع إيران أن يلعبوا دور المتفاعل (reactive) الذي يبلور موقفه ردا على تحركات الآخرين.

من الأفضل أن تواجه سياسة المراوغة الإيرانية ببرغماتية عربية

ولكن الوضع الحالي يحتاج إلى سياسة جديدة. سياسة استباقية  (proactive)، لا تنتظر ما سيفعله ترامب وكيف سيرد الإيرانيين، بل تحدد رؤيا استراتيجية عربية لإنهاء الصراع في المنطقة.

نحتاج سياسة تمزج الصلابة بالمرونة، بعيدا عن التشنج والعاطفية والرفض المطلق؛ سياسة توحد الصف، وتربك العدو، وتظهر العرب بصوره إيجابية أمام المجتمع الدولي.

القمة العربية والخليجية في مكة المكرمة هي فرصة مهمة للدول العربية والخليجية في صراعهم لمواجه نظام إيراني شرس يتلون كالحرباء. أرجو أن تستغل جيدا!.

 

المصدر : الحرة

23/9/1440

28/5/2019

 

 

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع