سورية رهينة روسية إيرانية

عدد القراء 190

بشرى البكر

سورية مرهونة اقتصاديا لروسيا وإيران. وتفيد الأخبار المعلنة عن توقيع عقود روسية وإيرانية، من أجل تملك واستثمار وإدارة قطاعات استراتيجية من الثروة الوطنية، كالغاز والفوسفات والنقل فترات زمنية طويلة، تصل حتى نصف قرن، كما هو حال الغاز الذي وقعته شركة الملياردير الروسي، غينادي تيمتشنكو، الشريك لعائلة الرئيس فلاديمير بوتين.
يبدو أن الهيمنة السياسية على جزء كبير من سورية من الاحتلالين، الروسي والإيراني، لا تؤدي الغرض. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار كلفة المساعدة العسكرية التي قدمتها روسيا وإيران للرئيس السوري، بشار الأسد، وعائلته والأطراف المتحالفة معه، طوال ثماني سنوات من الثورة السورية. وكما هو معروف، الفاتورة باهظة جدا، وتقدّر بالمليارات. وفي كل الأحوال، لا يمكن أن تتنازل الدولتان عن الديون التي باتت مترتبة على النظام، فهما أرسلتا قواتٍ إلى سورية لخوض حربٍ طويلة، باتت خسائرها كبيرة في الأرواح والماديات. وهذا يعني أن هذين الشريكين في الحرب لن يوفرا فرصةً من أجل تعويض خسائرهما.
سورية بلد مريض، يجري توزيع مقدّراته بين الاحتلالات الأجنبية تحت إشراف روسيا التي صارت صاحبة الحصة الأكبر في الاقتصاد والسياسة والأمن. هي التي تفاوض الولايات المتحدة على منطقة الجزيرة الواقعة تحت سيطرة "قوات سورية الديموقراطية". كما أنها ترسم لـ"إسرائيل" حدود أمنها، وتتفاوض مع تركيا على إدلب ومناطق درع الفرات وغصن الزيتون. ووصل نفوذها إلى أنها تحدّد لإيران نسبتها من العوائد الاقتصادية، ومناطق الوجود الأمني والعسكري. وكما هو واضح من العقود الأخيرة التي وقعتها شركة الملياردير الروسي تيمتشنكو (ستروي ترانس غازCTG)، تحصل روسيا على النسبة الأكبر من المشاريع بحدود نسبة 70%، وهذا يعني أن إيران خسرت رهانها على احتكار الكعكة السورية، وباتت حصتها متركزةً على استملاك أراضٍ وعقارات في المدن الكبرى، وخصوصا في دمشق ومحيطها، وصارت تتمدّد في العامين الأخيرين إلى مدن أخرى، مثل حمص وحلب، وحتى الحسكة.
وتفضح الاتفاقات التي جرى توقيعها حتى الآن البروباغندا الروسية الإيرانية التي تتحدّث عن حرب ضد "الإرهاب" في سورية، وصار واضحا أن تدخل هاتين القوتين، السياسي والعسكري، أملته مصالح اقتصادية وحسابات الموقع الاستراتيجي، وبات بمثابة القيد المعلق في رقبة البلد، ولا فكاك منه، طالما أن المافيات المحيطة بالأسد لا تزال في السلطة، فهؤلاء هم الضمانة الوحيدة لتحصيل الديون الروسية والإيرانية، وما عدا ذلك مناورات وأكاذيب مكشوفة، يروجها المحتلون الجدد. بشار الأسد دمر البلد وهجّر أهلها، وها هو يرهن ثرواتها لأكثر من نصف قرن للروس والإيرانيين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية في سورية، وذلك كله من أجل أن يحتفظ، هو والمافيات المحيطة به، بكرسي الحكم. وجود الأسد ومافياته يقدم غطاء للاحتلال، وهذا ما يفسر سبب التمسك به من جميع المستفيدين من تقاسم سورية. ولكن هذا لا يعني أن يقبل السوريون بالواقع المزري الذي أوصل الأسد سورية إليه، ففي نهاية المطاف، هذا البلد هو للسوريين، وليس لآل الأسد، وعليهم أن يستعيدوه بكل الوسائل المشروعة. والأمر الغريب أن تقاسم سورية بين الروس والإيرانيين يتم وسط صمت شامل، ولم يصد أي رد فعل، حتى من الذين يقدّمون أنفسهم أنهم يمثلون الثورة، فهؤلاء جلسوا إلى جانب الروس في مفاوضات أستانة، وكأن كل شيء على ما يرام. والملاحظ أن هؤلاء الممثلين يفصلون بين روسيا قوة احتلال وطرفا في المباحثات السياسية.
وضع القبضة الروسية على الحصة الأكبر من المشاريع في سورية بروفة لإعادة الإعمار التي ستكلف مئات مليارات الدولارات، وفي ظل المقاطعة الدولية سوف تتحول سورية إلى حقل استثمار روسي.

 

المصدر : العربي الجديد

28/8/1440

3/5/2019

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع