“حزب الله” ( نشأة مشبوهة وإرهاب منظم ونهاية مشوهة )

عدد القراء 50

محمد فاروق الإمام                              

مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

إن الخوض في الحديث عن “حزب الله” كمن يخوض في بحر لجي متلاطم الأمواج، هذا “الحزب” الذي اكتسب هالة من البريق الزائف على مدار ثلاثة عقود من نشأته الأولى بفعل ماكنته الإعلامية الهائلة التي أكسبته تعاطفاً عربياً وإسلامياً قل نظيره، كـ"حزب مقاوم" تصدى للدولة العبرية في وقت سكتت فيه كل الجبهات باتفاق ذليل كاتفاقية كامب ديفيد بين مصر والدولة العبرية، واتفاقية وادي عربة بين الأردن والكيان الصهيوني، واتفاقية الكيلو 54، المرتبة مسبقاً، التي عقدها حافظ الأسد مع الدولة العبرية عام 1974 لتصمت جبهة الجولان ولا تزال حتى اليوم، التي لا يسمع في مستنقعاتها إلا نقيق الضفادع وفي أكماتها إلا نعيق الغربان.

وبعودة تاريخية لهذا “الحزب” نجد أن تاريخ تأسيسه المعتمد لدى مراكز البحث الاستراتيجية كان عام 1982 في الجنوب اللبناني، في بيئة فكرية كان للشيخ محمد حسين فضل الله دور في تكوينها من خلال نشاطه العلمي في الجنوب. وكان لقيام "الثورة" الإيرانية التي أطاحت بالشاه رضا بهلوي عام 1979 بقيادة الخميني دافعا قويا لنمو “حزب الله”، وذلك للارتباط المذهبي والسياسي بين الطرفين.

وقد جاء في بيان صادر عن “الحزب” في 16 فبراير/ شباط  1985؛ أن “الحزب” “ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في "ولاية الفقيه"، وتتجسد في "روح الله آية الله" "الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين" وباعث نهضتهم المجيدة”. كما جاء في البيان، وبموجب هذا البيان فإن الحديث عن “حزب الله” لا ينفصل عن الحديث عن إيران الخمينية.

مع بداية الثورة الشعبية في سورية تحوّل الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله في خطاباته إلى ناطق إعلامي رسمي بإسم النظام السوري، إذ كان خروجه الإعلامي أكثر من المسؤولين السوريين أنفسهم!! وحاول في خطاباته الترويج لوجهة النظر الرسمية، بِحثِّه السوريين على التمسك بـ"النظام المقاوم والممانع" كما يزعم، والصبر على الإصلاحات الجدية التي أكدها له الرئيس السوري بشار الأسد شخصيا!!

وهذا الموقف المتناقض مع المواقف السابقة من الثورات في تونس ومصر التي أيدها بشكل كامل دفع بعض الكتاب إلى مراجعة موقفهم من “الحزب”، بدليل أن الكثيرين منهم لم يستهجنوا اتهام أعضاء من “الحزب” باغتيال رفيق الحريري، بل أصبح ذلك أمرا ممكنا بعد مواقف “الحزب” الأخيرة ضد الشعب السوري، ووجد البعض الآخر في أهمية النظام السوري بالنسبة لـ"الحزب" مبرراً لما تبناه من مواقف، غير أن الإشكال الأخلاقي أصاب مصداقية “الحزب” في الصميم باستمرار الأمين العام لـ"الحزب" في التهويل من أحداث البحرين في اصطفاف طائفي لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال، الأمر الذي طرح تساؤلات عديدة عن حقيقة تمسك “الحزب” بأيديولوجيته وذلك لتعارض هذه المواقف مع أهم ركيزة أيديولوجية بني عليها التشيع بشكل عام وعقيدة “حزب الله” ونظام "الولي الفقيه" الذي أسسه الخميني بشكل خاص والمتمثلة في "نصرة المظلومين" و"حرب الظالمين" مهما كانوا، ولذلك فإن حسن نصر الله يكرر في خطبه كثيراً عبارة “هيهات منا الذلة” "المنسوبة للحسين رضي الله عنه" باعتبارها دعوة لـ"الثورة" على الظلم والطغيان!!

السياسة أولا

نظرا لأهمية النظام السوري كممر للدعم الإيراني لـ”حزب الله” وبسبب التحالف الاستراتيجي بين النظامين في دمشق وطهران منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن العلاقة بين ما بات يصطلح عليه إعلاميا بـ"محور الممانعة" – باستثناء "حركة المقاومة حماس" - أصبحت علاقة وجودية إلى حد كبير، ورغم محاولة نصر الله التقليل من أهمية تداعيات سقوط نظام بشار الأسد على مستقبل "حزبه" فإن ذلك لا ينفي حقيقة التأثيرات السلبية عليه خاصة بعد موقفه المناهض للشعب السوري الذي من دون شك سيعيد ترتيب علاقاته مع “الحزب” خاصة وأن الشارع السوري هاجم بشدة ووضوح كلاً من إيران و”حزب الله” وحرق أعلامهما، ولا يعنى هذا بالضرورة أن ينتقل الشعب السوري إلى صف "إسرائيل" والولايات المتحدة كما يحاول ترويجه النظام السوري و”حزب الله”، فبين الموقفين هناك العديد من الخيارات السياسية بل لن يقل موقف الشارع السوري من "إسرائيل" عن موقف الشارع المصري بعد الثورة.

ويمكن أن نلخّص الأهداف السياسية من خطابات نصر الله وموقفه من الثورة السورية فيما يلي:

1- بحكم الشعبية الكبيرة التي اكتسبها حسن نصر الله في السنوات الأخيرة وخاصة بعد حرب 2006 مع الدولة العبرية، وقد اعتبر “الحزب” "مقاومة وطنية" لدى معظم العرب والمسلمين، إلا ان الوضع تغير بعد اتهام “الحزب” باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وبدأ يُنظر له من معظم المسلمين السنة كخنجر إيراني فارسي في ظهر العرب، يعمل لخدمة المصالح الإيرانية في المنطقة. وفي عام 2009 وضع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك“الحزب” كمنظمة إرهابية.

بعد الثورة السورية في 2011 دعم “حزب الله” النظام السوري مما تسبب بزيادة الانتقادات ضده في العالم العربي والإسلامي خصوصا عند المسلمين السنة. وفي عام 2013 أعلن “الحزب” تدخله عسكريا في الحرب في سورية ووقوفه مع النظام السوري مما أدى إلى تصنيف “الحزب” كمنظمة إرهابية في كل من الدول التالية:

1- البحرين: تعتبر “حزب الله” بالكامل إرهابي.

2- مجلس التعاون الخليجي: يعتبر “الحزب” بالكامل منظمة إرهابية.

3- فرنسا: تعتبر “الحزب” بالكامل منظمة إرهابية.

4- الولايات المتحدة: تعتبر “الحزب” بالكامل منظمة إرهابية.

5- كندا: تعتبر “الحزب” بالكامل منظمة إرهابية.

6- هولندا: تعتبر “الحزب” بالكامل منظمة إرهابية.

7- بريطانيا: في قرار جديد لبريطانيا اعتبرت “حزب الله” بشقيه العسكري والمدني منظمة إرهابية.

8- أستراليا: تعتبر منظمة الأمن الخارجي لـ"الحزب" فقط منظمة إرهابية.

 لقد سعى النظام السوري بالاستنجاد بـ”حزب الله” والاستثمار في سمعته لإجهاض الثورة وخلط أوراقها، وهذا ما يفسر الخروج المبكر لحسن نصر الله وتوجيهه خطاباً مباشراً للشعب السوري منذ انطلاقة الثورة، يحثه فيه على المحافظة على النظام "المقاوم الممانع" والصبر على الإصلاحات كما سبقت الإشارة، غير أنه لم يوفق في ذلك نظراً لاستمرار الأجهزة الأمنية السورية في قمع المظاهرات مما كان له أثر عكسي على النظام و”حزب الله” نفسه

2- تمثل المواقف السياسية الخارجية المصدر الأهم المتبقي لشرعية النظامين الإيراني والسوري نظرا لتآكل المصادر الأخرى لشرعيتهما لأسباب عديدة في مقدمتها فشل كل المشاريع التنموية والفساد المستشري فيهما والقمع الأمني للمعارضة، لذلك حاول النظام السوري التركيز على الجانب الخارجي لتصوير الثورة الشعبية على أنها مؤامرة أمريكية صهيونية لضرب النظام "المقاوم والممانع"، وأفضل من يجيد هذا الدور ويتمتع بقبول شعبي عربي هو حسن نصر الله الذي لم يتردد في رد الجميل.

 وتجدر بنا الإشارة في هذا السياق إلى تركيز الإعلام السوري الرسمي وغير الرسمي بما في ذلك إعلام “حزب الله” على موقف الغرب من القضايا الأخرى كتقسيم السودان وأطماع حلف النيتو في ليبيا واستمرار دعم الحصار الصهيوني على غزة ومنع أسطول الحرية الثاني من الانطلاق ومحاولة إسقاط هذه المواقف على الوضع السوري، ومع استبعاد الكثير من المراقبين فتح “الحزب” لمعركة مع "إسرائيل" لاعتبارات تتعلق بموازين القوى ورد الفعل الصهيوني، ومع فشل المحاولات الاستعراضية لتنظيم مظاهرات في الجولان الذي ظل هادئا طوال أربعة عقود من حكم نظام الأسد، واستمرار الجنوب اللبناني في حالة الهدوء منذ اثنتي عشرة سنة.

3- منذ الأيام الأولى للثورة السورية تناقلت وسائل الإعلام خبر مشاركة عناصر من “حزب الله” في قمع المتظاهرين، الأمر الذي سارع “الحزب” إلى تفنيده ولكن الحقيقة التي لا يستطيع إنكارها هي مشاركة خبراء من "الحرس الثوري" الإيراني في التخطيط لقمع المظاهرات كما تردد في وسائل الإعلام أيضا، وهذا الأمر غير مستبعد على الإطلاق فعناصر "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري" والذي شملت العقوبات الغربية بعض قياداته متواجدون في كل مكان لزرع الخلايا النائمة والحية في العديد من الدول.

 وبعد دعم النظام الإيراني رسمياً وعلنياً لنظام الأسد السادي لا يستبعد أن يشاركه في قمع الثورة أيضاً، بعدما هدد تركيا باستهداف القواعد الأمريكية المتواجدة على أراضيها إذا ما تعرضت سورية لأي هجوم، ونصر الله بكثافة خطاباته يحاول بشكل أو آخر توفير غطاء إعلامي إن صح التعبير للآلة الأمنية القمعية المشتركة لإجهاض الثورة.

الأيديولوجيا دائماً

يخطئ من يتصور أن “الحزب” يتحرك وفق أجندة سياسية بحتة وأن الأيديولوجيا تراجعت أمام الأجندة السياسية في هذه المرحلة الهامة التي يمر بها “الحزب”، فـ”الحزب” الذي يستطيع أن يحصي ويتابع ما يزعم أنها جرائم وانتهاكات لـ"حقوق الإنسان" في البحرين في المقابل لا يرى ولا يسمع بالجرائم التي يرتكبها النظام السوري في كل دقيقة، وهي جرائم لا يمكن مقارنتها إطلاقاً بما جرى في البحرين، إذ أن ما يجري في سورية هو حركة احتجاجية شملت معظم مدنها، وكان عدد المتظاهرين في تزايد مستمر ولا تقتصر على طائفة أو عرق، وكان استمرار “الحزب” بقياداته وإعلامه بتكرار ترديد أسطوانة اتهام عناصر إرهابية باستهداف المتظاهرين واغتيال عناصر الأمن يؤكد أن “الحزب” يتحرك وفق مبادئ أيديولوجية ثابتة لم يحد عنها خلال مسيرته إطلاقاً، وهو الوجه الخفي لنصر الله عند كثير من المحللين.

ومن يتابع خطابات حسن نصر الله في مناسبات "عاشوراء" على "قناة المنار" يجدها خطابات تتمحور حول استشهاد الحسين و"روح الثورة الحسينية" التي يعمل على بثها بين الشيعة ولذلك لا تحظى بأية تغطية إعلامية من القنوات الإخبارية، لإدراكها أنه خطاب تعبوي موجه لطائفته الشيعية تحديداً ولكن قد يتم نقل بعض الفقرات السياسية منه لذلك قد يستشكل على الكثيرين فهم حقيقة أيديولوجيا “الحزب”.

ومن يلقي نظرة عامة على مبادئ “الحزب” وثنائية المستضعفين والمستكبرين التي يستلهمها من "مرشده الأول" الخميني يتصور أن المستضعفين هم كل الشعوب المضطهدة من قبل أنظمتها المستبدة والعميلة للولايات المتحدة الشيطان الأكبر، فالحاكم الظالم في أيديولوجيا “الحزب” يرمز له بالأمويين وفي مقابله المستضعفين (الشعوب) الذين يرمز لهم بآل البيت ومظلومية الحسين رضي الله عنه وثورته هي طريق الخلاص في نظره.

و بناءً على هذه الثلاثية، وعندما اندلعت الثورة في تونس ومصر وقف “الحزب” إلى جانبها واحتفى بها، وجرى تصنيفها على هذا الأساس، ولكن لما انتقلت الثورة إلى سورية وكان قبلها “الحزب” قد تبنى مواقف مبالغ فيها من أحداث البحرين ظهر التناقض والخلل والارتباك في هذه الثلاثية، فأصبح الحاكم رغم كل جرائمه السابقة واللاحقة رمزاً لـ"المقاومة والممانعة والحكمة والرشد الباحث عن الإصلاح" لسبب وحيد أنه حليف لـ"الولي الفقيه"، وتحول الشعب المظلوم الثائر إلى متآمر وعميل للولايات المتحدة و"إسرائيل" لأنه لا يقبل بالخضوع لرغبات وكيل "الولي الفقيه"، وأصبح "نهج الشهادة والفداء" سبيل الشيطان والغواية!!.

نصر الله حين يتحدث في خطاباته عن المستضعفين والمستكبرين فله معنيان: عام وخاص، العام يرمز للمستضعفين كلهم أمام المستكبرين والمتلقي من الرأي العام العربي يفهم أن المستضعفين هم الشعوب العربية، والمستكبرين هم الولايات المتحدة الأمريكية والأنظمة العربية كما حددها الخميني.

أما المعنى الخاص الذي يفهمه الشيعي من خطابات الأمين العام لـ"الحزب" فالمقصود بالمستضعفين فيه الشيعة أتباع آل البيت، أما المستكبرون فهم أعداؤهم الذين يحاربونهم. وعند تحليل هذه الجزئية فإن أهم عدو لهم هم أهل السنة عموما ومن ورائهم جميع الأنظمة العربية التي لا تتبع إيران.

والمتلقي لخطابات نصر الله من الشيعة يفهم هذا بيسر، أما غير الشيعة من الذين لا يتابعون خطاباته الدينية أو غير المطلعين على الفكر الشيعي لا يدركون هذا الفرق الكبير بين المعنى الخاص والمعنى العام، وأبرز مثال على ذلك طريقة تناول الإعلام الإيراني وقناة المنار لتمرد الحوثيين، فقد أصبح الحوثيون المستضعفين، والجيش اليمني هو المستكبر والثورة المسلحة هي الطريق والنهج.

وبهذا يتضح أن نصرة المستضعفين وخلاصهم ليسا غاية “حزب الله”، بل مقصد “حزب الله” هو إخضاع المستضعفين لسلطة "الولي الفقيه"، وبناء على قبول الخضوع يتم التعاون والنصرة لهم!! وبهذا لا نستغرب أن يكون موقف “الحزب” الشيعي اللبناني ضد الشعب السوري بل والمشاركة في قتل المتظاهرين ضد النظام لأنه يتعارض مع سياسة "الولي الفقيه".

لقد اتهمت المحكمة الدولية المكلفة بالنظر في قضية اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري ”حزب الله” في التورط والضلوع في اغتياله، وذلك بالتنسيق مع بعض قادة الجيش السوري، وقد قدمت المحكمة أسماء أربعة اشخاص ينتمون الى “الحزب” بصفتهم المدبرين الرئيسين لعملية الاغتيال وهم: “مصطفى بدر الدين وسليم العياش وأسد صبرا وحسين عنيسي”. بينما ينفي “الحزب” ذلك وقام بتقديم بعض الفيديوهات التي تظهر مراقبة طائرة "إسرائيلية" لسيارة رفيق الحريري قبل الانفجار.

وبحسب المصادر السياسية فإنمصطفى بدر الدين هو شقيق زوجة (القيادي في “حزب الله”عماد مغنية (الذي اغتيل في 2008 في دمشق)، قائد العمليات الخارجية في “الحزب”. وبحسب المذكرة، هو من خطط وأشرف على تنفيذ العملية التي استهدفت رفيق الحريري.

سليم العياش “هو أحد كوادر “حزب الله”، وبحسب مذكرة التوقيف هو مسؤول الخلية المنفذة للاغتيال ومشارك في التنفيذ”. اما اسد صبرا وحسين عنيسي (من مواليد 1974)، فمتهمان ب”التواصل مع أبو عدس وإخفائه في مرحلة لاحقة”. وأحمد أبو عدس هو من اتصل بقناة “الجزيرة” بعد اغتيال الحريري في عملية تفجير في 14 شباط/فبراير 2005 لتبني العملية.

روسيا من جهتها لم تجد الكثير من الحرج حين أعلنت أنها لا تعتبر ميليشيا ““حزب الله”” منظمة إرهابية، وجاء تصريح موسكو بذلك عقب مؤتمر فيينا كرد مباشر على ما تناقلته الوكالات عن أنباء بمطالبات لتصنيف الميليشيا اللبنانية التي تتبع لإيران ضمن قائمة الإرهاب، بالرغم من سجل الميليشيا الحافل بالمجازر ضد الشعبين السوري واللبناني.

لقد ارتبط تدخل ميليشيا ““حزب الله”” في سورية مع المذابح التي ارتكبتها عناصر الميليشيا حيث اعتمد “الحزب” في عملياته على القصف المدفعي والصاروخي العنيف، كما عرف بمجازره التي ارتكبها بحق السوريين في كل منطقة احتلها، وسربت أوساطه الكثير من الفيديوهات والصور في حركة؛ المقصود بها تعميم جو من الرعب ليسبقه في كل منطقة يهاجمها.

في تشرين الأول 2014 تمكنت ميليشيا “حزب الله” من احتلال مدينة القصير بريف حمص بعد أسابيع من القصف العنيف والحصار الكامل، وقامت عناصر الميليشيا بالعديد من المجازر حيث ذبحت الأهالي الذين لم يستطيعوا مغادرة المدينة بدم بارد؛ بما فيهم النساء والأطفال، وقام عناصر الميليشيا بأخذ صور مع جثامين الضحايا عدا عن مقاطع الفيديو.

وقامت عناصر ميليشيا “حزب الله” بتنفيذ مجزرة بشعة في بلدة المزرعة بمنطقة السفيرة بمحافظة حلب شمالي سورية 24 أكتوبر/ تموز 2013، حيث أعدمت ميدانيًّا 50 شخصًا، وقامت عناصر الميليشيا بالتمثيل بجثامين الضحايا حيث تم إعدامهم بالرصاص ثم حرقهم ورمي بعضهم في الآبار الموجودة بالقرية كما تم إحراق جميع منازل القرية.

وفي بلدة العتيبة بريف دمشق قام عناصر ميليشيا “الحزب” بتنفيذ مجزرة قتل فيها أكثر من 175 مدنياً كانوا يحاولون مغادرة الغوطة المحاصرة، وقام عناصر “الحزب” بتصوير مقطع فيديو للتشفي بالضحايا ، ويظهر في الفيديو دمية “لدب صغير.

وظهرت صورة لأحد عناصر الميليشيا بجانب جثمان أحد الضحايا في مدينة الزبداني في 13 يونيو/ حزيران 2015 حيث يظهر في الصورة إن الجثمان تم حرقه بطريقة وحشية.

وفي 2013 هدد عناصر من ميليشيا “حزب الله” بدخول مسجد خالد بن الوليد في حمص ونبش قبره، وما أن مضى عام عليه في 11 مايو/ أيار 2014، حتى اقتحموا المسجد ودمروا الضريح ونهبوه، وكتبوا على جدرانه عبارات شيعية طائفية، ولم يتوقفوا عند ذلك بل ورفعوا الأذان بصيغته الشيعية الإيرانية مستفزّين جميع الأهالي المحاصرين.

وتم تداول فيديو في 20 يناير/ كانون الثاني 2014، على مواقع التواصل الاجتماعي لعنصر من ميليشيا “حزب الله” وهو يتوعد بقتل آخر سني ويسب أهل السنة ويصفهم بألفاظ همجية وطائفية، وتوعد باحتلال الكعبة المشرفة، وأشار للضحايا الذين قتلوا على أيديهم بـ دعسوا على الجثث.

نام الجولان السوري وحدود سورية مع فلسطين في ظل هدوء اتفاق الهدنة بين النظام السوري و"الدولة العبرية" منذ عام 1974، ليعود ويتحرّك اليوم على وقع تحركات “حزب الله” في تلك المنطقة. وفي حين لا تزال آثار العدوان الصهيوني على لبنان في يوليو/ تموز 2006، حاضرة عسكريّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً، تأتي عملية شبعا الأخيرة لتشرّع الأبواب أمام مجهول من لهب ونار على الجبهة اللبنانية.

وعلى الرغم من الخطابات المتكررة للأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصر الله، عن “استعداد المقاومة للرد على أي عدوان بالدخول إلى الجليل وما بعده” (في 15 يناير/ كانون الثاني 2016)، فإنّ الظروف التي يعيشها “الحزب” ليست هي نفسها لتمكّنه من تكرار سيناريو عام 2006 لجهة منع الدولة العبرية من تحقيق انتصار. حتى أنّ مقارنة العدوان الأخير مع ما يمكن أن يحصل اليوم لا تجوز بالمطلق، نتيجة الكثير من المتغيّرات التي طرأت إقليميّاً وعربيّاً ولبنانيّاً، على المستويات كافة.

لقد وسّع “حزب الله” رقعة نشاطه العدواني والإرهابي لتشمل الأراضي السورية بدءاً من كسب (شمال غرب سورية) وصولاً إلى درعا والقنيطرة (أقصى الجنوب)، مروراً بمدينتي حلب ودمشق والقلمون على الحدود الشرقية مع لبنان. كما كشفت التوترات الحاصلة في العراق تقديم “الحزب” مساعدات لوجستية للمليشيات العراقية، بالإضافة إلى دور استشاري لعدد من قياديي “الحزب” في بغداد والبصرة.

ثانياً، على المستوى الميداني، لم يعد لـ"الحزب" أرض تنصره عكسريّاً كما كانت الحال عام 2006. حيث كانت تأتي الإمدادات العسكرية المختلفة للحزب عن طريق سورية، بينما اليوم “الحزب” مشغول في الدفاع عن النظام السوري والمحافظة عليه وعلى مواقعه ومراكزه. حتى أنّ “الحزب” تلقى أكثر من ضربة أمنية وعسكرية من الدولة العبرية على الأرض السورية، أكان في اغتيال القائد العسكري في “الحزب” عماد مغنية (12 فبراير/شباط 2008)، أم في استهداف الطيران الصهيوني لشاحنات ومواكب للحزب طيلة السنوات الماضية؟

ثالثاً، لا تبدو الساحة اللبنانية مهيأة لحرب ضد "الدولة العبرية" تحديداً في البيئة التي تختلف جذريّاً مع “حزب الله” سياسيّاً حول الملفات الداخلية وإدارة البلد أو حتى تجاه الثورة السورية. في يوليو/تموز 2006 فتحت العاصمة بيروت أبواب مدارسها ومجمّعاتها، كما فتح السوريون بيوتهم لاستقبال النازحين الفارين من نار العدوان في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت (الخزانان البشريان لـ"الحزب"). لكن ما تبع العدوان في السنوات السياسية من أعوام 2007 إلى اليوم يؤكد أنه صعب لهذه الأبواب أن تُفتح بذلك الترحيب من جديد. إذ لا تزال تكمن آثار اجتياح “حزب الله” لبيروت في مايو/أيار 2008، كما أنّ إقصاءه لزعيم تيار المستقبل، سعد الحريري، عن الحكم عام 2010 لا تزال مفاعيله سارية. يضاف إلى كل ذلك قتال “حزب الله” في سورية ودعمه النظام في وجه المعارضة السورية. لمن يغيب عنهم واقع الأمور في لبنان، فإنّ المجتمع المتعدّد في بيروت أصابته حمّى توزيع الحلويات لدى وقوع المصائب والجرائم لدى الخصوم؛ وزّع أنصار “الحزب” الحلوى ابتهاجاً بقتل رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللبناني، اللواء وسام الحسن، عام 2012. كما فعل جمهور المستقبل الأمر نفسه لدى تفجير أكثر من سيارة مفخخة في الضاحية الجنوبية.

كل هذا الواقع يقود إلى القول إنّ “حزب الله” غير مرتاح داخليّاً وخارجيّاً للوقوف في وجه عدوان جديد لـ"الدولة العبرية"، ولو أنّ تلويحه بعشرات آلاف الصواريخ قد يكون رادعاً أمام أي تهوّر لها باتجاه الأراضي اللبنانية.

يوضح مسار المواجهة الأمنية بين “حزب الله” و"الدولة العبرية" بأنّ التوتر الحاصل، اليوم، جراء استهداف الطيران العبري شحنات الأسلحة القادمة من طهران قرب العاصمة السورية في ضربات متعددة قاتلة ولمرات لا تحصى، وكان ردّ “الحزب” قيام بعض عناصره بتفجير عبوات ناسفة بقوات عبرية راجلة بالقرب من الحدود اللبنانية.

وفي عام 2014، استمرّ الحوار الأمني بين الطرفين العبري و”حزب الله”، حيث كررت "الدولة العبرية" استهداف شحنات أسلحة إيرانية لـ"الحزب" على الأرض السورية، ومنها استهداف قافلة لـ"الحزب" في القنيطرة أدت إلى مقتل ضابط إيراني وستة مقاتلين من “الحزب” أبرزهم جهاد مغنية، نجل عماد مغنية.

اليوم يكون قد مرت اثني عشرة سنة هادئة على “الدولة العبرية” من جبهة ““حزب الله””، بلا رصاصة واحدة على الكيان الصهيوني من الجنوب اللبناني.. إنها أطول فترة تمر على الغاصبين بهذا الأمان في لبنان، إنها تتويج لعملية معقدة انتهت بتفريغ جنوب لبنان من المقاومة الفلسطينية واللبنانية الحقيقية، التي لأجلها تم تهجير الفلسطينيين من جنوب لبنان إلى بلاد عربية.

الآن، بوسع “الدولة العبرية” أن تحتفل بالنصر؛ فالجنوب اللبناني معزول عن فلسطين بقوة من ميليشيا ““حزب الله”” الذي يؤكد دوما على أنه في مقابل خمسة آلاف اختراق لقرار 1701 الأممي القاضي بوقف إطلاق النار بين “الحزب” و”الدولة العبرية”؛ ظل “ملتزماً” بالقرار، وبالتالي صارت “الدولة العبرية” في أمان تماماً كما هي حالها في الجولان السوري المحتل..

وفي اليوم الذي قبلت فيه ميليشيا ““حزب الله”” التقهقر في العمق اللبناني قبل اثني عشرة سنة، يعيش “الحزب” أجواء حرب ضروس في سورية، تولى “الحزب” فيها أمر “التشبيح” وقتل المدنيين، وعندما انفضح “الحزب” تماماً مع أسر عنصر من عناصره في قلب دمشق حيث انضم مع الآلاف من زملائه إلى قطاعات المرتزقة الذين جاؤا من قلب إيران والعراق للقتال إلى جانب السفاح السادي بشار الأسد، بادرت شيعته في لبنان إلى تفجير الموقف، وممارسة تشبيح مماثل في لبنان؛ فاختطفت سوريين أبرياء وسعودياً وتركياً لمبادلتهم بأسيرها الشبيح الأسير في دمشق، وبرغم أن “حزب الله” قد سعى إلى إلباس رد فعله برداء عشائري، حين تولت عشيرة المقداد التي ينتمي إليها عنصر “الحزب” المأسور، إلا أن التهديد باختطاف قناصل ورعايا دول قطر وتركيا والسعودية وغيرها وقطع طريق المطار، لا يمكن تأطيره داخل حيز عشائري؛ فأبسط ردّات فعل “العشيرة” كان قطع طريق المطار، وهي وسيلة يلجأ إليها “حزب الله” كلما أراد أن يستعرض قوته في العاصمة اللبنانية مثلما فعل في الذكرى الأولى لمغامرته عندما قضاها في ملاحقة العزل من السنة في اجتياح بيروت الشيعي الشهير (2007)، وبالتالي فالحديث عن عشيرة غاضبة إلى حد تهديد دول الإقليم أمر يبعث على السخرية.

“حزب الله” يريد أن يقول إن قبضته قوية، لكنه كشف عنها هزيلة واهنة؛ فهو لم يضف جديداً في موضوع التشبيح المحلي والبلطجة الدولية؛ فـ”الحزب” عريق في هذا المجال، ولديه سجل حافل بعمليات القتل والتفجير في الكويت (طائرة الجابرية وغيرها) وشرق السعودية (تفجير الخبر) وتدريب الميليشيات البحرينية والحوثية باليمن، والقتال إلى جوار ميليشيا الصدر في العراق، وأخيراً اندفاع مجموعات ميليشياته عبر الحدود في قلب سورية، لكن ما أضافه بالفعل هو الكشف عن هشاشة وضع بشار الأسد نفسه، والتوتر الشديد لحلفائه في لبنان.

إنها مشاعر الحصار الأخير، والهزيمة المدوية، ضربات خبط عشواء وتهور وهياج من أجل تخفيف الضغط ليس عن بشار وحده وإنما عن كل الحلفاء من طهران إلى الضاحية؛ فالعاصمة الإيرانية تشعر بقلق شديد بعد أن ازداد الحنق عليها إقليمياً وبدأت حساسياتها القومية والدينية تشهد تململاً متزايداً؛ وحتى الزلزال الذي ضربها لم يعفها من الملاحقة الشعبية بالتقصير؛ فالصور التي انتشرت لشاه إيران وهو يتفقد مناطق زلزال قبل عقود برزت على صفحات التداول الاجتماعي الإيرانية، لتجسد مأساة تبريز، وتقلق الآذريين، بعد أزمة الدجاج، والتحضير الجاد لثورة الأحواز، ونظام بشار بات ضعيفاً متفككاً، ولم تُجد معه كل أجهزة الإنعاش والتنفس الصناعي الإيرانية والروسية، والعاصمة العراقية بدت منزعجة من مظاهرات المرجع الشيعي الصرخي التي انطلقت على خلفية اقتصادية واجتماعية (وليست طائفية بالمناسبة)، وقد تمتد إلى قطاعات شعبية سنية، وأخرى ظنت أن عليها أن تدفع الخمس للملالي فوجدت نفسها تدفع أربعة أخماس دخلها ونصيبها إلى الدولة!

أما في البيت الداخلي للبنان، فالنظام السوري/الإيراني العتيد المهيمن على كل مفاصل الحكم اللبناني بدأ يترنح، وسمعنا للمرة الأولى أن مسؤولاً سورياً رفيع المستوى بحجم علي مملوك يلاحقه القضاء اللبناني، وهو بالطبع هزة ارتدادية للزلزال الحاصل في سورية، والذي بدأ يمس أهم مقرات ومؤسسات الدولة السورية.

ما يمكن استخلاصه، أن “حزب الله” بلجوئه إلى السلاح التقليدي لإخوان الصفا وفرق الحشاشين التاريخية، وهو الاختطاف والاغتيال؛ فهو يوشك أن يأرز إلى حصنه الأخير، حيث أوعز إليه آمروه أن يسخن جبهته لإرسال رسائل متعددة إلى الداخل اللبناني بأنه ما زال قوياً، ومسيطراً، وللخارج العربي الإسلامي السني بالطبع، بأنه مستعد لممارسة التشبيح بشكل دولي إذا ما انهزم النظام السوري، وبالتالي فإن دواء الشبيحة لدى الضعفاء هو السكون والتراجع ثم دفع الإتاوة .. هذا قد كان وارداً في وقت سابق، لكن الأمر الآن مختلف جذرياً، فمحال أن يغيب شبيح لمدة طويلة ثم يبرز نحيلاً في أسمال بالية وينتظر بعد ذلك أن يرهب الجيران!.

 

 

المصدر : مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

17/7/1440

24/3/2019

 

 

 




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع