هذه حكايتي .. "عمر: عشت طفولتي تحت وطأة القصف والحصار والاعتقال"

عدد القراء 33

أثير المقدسي

حكايتنا الرابعة والستين يسردها شاب ذاق ويلات الحرب والحصار والجوع والدمار يوم كان طفلاً في سن الـ 14، لم يكن محارباً ولا طرفاً في الصراع الدائر، ولم يفهم بعد ماذا تعني الحروب، بل كان ضحية من بين آلاف الضحايا الذين تعرضوا لانتهاكات كبيرة من قصف واعتقال ثم تهجير.

الشاب الفلسطيني الذي طلب أن يسمي نفسه "عمر" خوفاً من بطش النظام السوري بعائلته، يبلغ من العمر 21 من أبناء تجمع حي القابون بدمشق، كان طالباً يدرس في مدرسة "شفا عمرو" التابعة لوكالة الأونروا.

يقول عمر: لم أكن أعرف شيئاً عن سبب الأزمة في سورية، ولم أكن أهتم بذلك كثيراً إلى أن نزحنا، فعندما شهد هذا الحي القصف وغدا ساحة حرب نزحنا إلى مناطق جبلية في منطقة القلمون بريف دمشق، وتعرضنا خلال أشهر النزوح إلى معاناة كبيرة.

 وعدنا إلى ديارنا مع بعض الأهالي، ولكن لم يكن الحيّ الذي تركناه نفسه، فقد كانت رائحة الموت بين الأزقة والدماء في كل مكان، ولم يعد متوفراً شيء من مؤهلات الحياة كالكهرباء والمواد الغذائية والأدوية، على الرغم من ذلك كان الناس يتوافدون إلى الحيّ ببطء شديد، لتعود بعض من الحياة وشيء من الأمان والطمأنينة إلى أن اندلعت مرة أخرى الحرب.

ويروي عمر: 13 /11/2013 هذا اليوم الذي حفر في ذاكرتي، حيث قتل فيه أمام عينيّ أعز صديق وأخ لدي من قبل النظام السوري، واعتقلت حينها لدى فرع المخابرات الجوية الذائع الصيت بسمعته السيئة لمدة 4 أشهر.

 يردف قائلاً ذقت خلال أشهر الاعتقال الويلات وأنا ابن 16 عاماً، 120 يوماً مروا من حياتي كأنهم 120 سنة، كل يوم كنا نتعرض لأبشع أنواع التعذيب والإهانة والذل، كل يوم كنا نتعذب بأبشع الأساليب.

بعد كل تحقيق يعيدونا ويزجوننا في المعتقل من جديد وفي أماكننا لا نتحرك من شدة الألم، والموجودون معنا الذي لم يأتي دورهم كانوا يجلسوننا ليخففوا عنا الألم، فمنهم من يمسح جروحنا بالماء ومنهم من يحاول أن يضحكنا لينسينا الالم وهم ينتظروا دورهم ليخرجوا إلى المسلخ البشري.

وعندما ينتهي كل شيء في النهار، وتبدأ نوبة أحد الضباط ليلاً يبدأ صراخ النساء فقد كان كل يوم ينزل ضابط من الفرع ليختار إحدى البنات، ويغتصبها ويوزع على مساعديه البنات كهدايا، والذي يعتقل البنات كان ملازم أول اسمه علي فكان يعتقل البنات الأشد جمالاً فيأخذ مكافأته ليلاً بإحدى البنات واجازة أيضا من العمل لقاء ما يقدم من خدمات لهم.

 كنا نسمع صراخ المعتقلات وهم يغتصبوا، كانوا يعذبوهن بالاغتصاب، إضافة إلى أن منهم من اغتصب بعض الرجال لإذلالهم، كنا نتمنى الموت كل يوم كل دقيقة، فهو أرحم من أن نظل على قيد الحياة في هذا الفرع اللعين الذي لا يعرف ضباطه ومساعديهم معنى الرحمة.

ويضيف الشاب كل يوم كان يأتينا معتقلين جدد وأيضاً كانوا يأخذوا المطلوبين المهمين، وينقلوهم الى أفرع أخرى ولا أحد منا يعلم ماذا مصيره، إلى أن أتى ليل يوم، وجاء المساعد ونادى باسمي فخفت عندها أيقنت أنهم سيأخذونني إما للموت أو لفرع آخر.

لكن الصدمة أنها كانت إفراج إخلاء سبيل، فخرجت في الشهر الثالث 2014 بعد 4 أشهر من العذاب الذي يوصف بكلمة واحدة "جهنم".

الحصار

خرجت من المعتقل لأدخل مباشرة إلى معتقل أكبر، إنه حصار القابون، لم يكن لدي خيار آخر دخلت من إحدى الأماكن المقنوصة ونفدت بأعجوبة، دخلت لكي لا أعود إلى المعتقلات، الحصار والجوع أهون عليّ من الاعتقال والذل والهوان.

طبق الحصار علينا إلى عام 2017 ذقنا فيها مراراً لا يعلم به إلا الله، عشت تحت القصف والضرب والجوع، فلم يتبقى أي نوع من الأسلحة إلى وقد ضرب علينا حتى الأسلحة الكيماوية.

كان كل يوم يموت أطفال وأمهات تحت الأنقاض وغيرهم بسبب نقص الأدوية وتفشي الأمراض، لقد أنهك الحصار والجوع آلاف الناس، إلى أن انتهينا بضربة قاسية وهي ترحيلنا قسرياً إلى إدلب شمال سورية.

كنا نشكو تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار في ظل غياب مصادر الرزق، ويوضح عمر كان هناك أكثر من عشرة آلاف عائلة من أهالي القابون والنازحين إليه، وهم يعانون غلاء الأسعار وندرة مصادر الدخل فضلاً عن دمار معظم الممتلكات بسبب الحرب.

التهجير ومخيمات "الموت البطيء"

وحول التهجير يقول عمر بأنه المصيبة الكبرى التي حلّت بنا، خرجنا من ديارنا مرغمين وتركنا خلفنا الذكريات الجميلة والقاسية، ووصلنا إلى المخيمات التي أسميتها " الموت البطيء"، لقد كانت المخيمات قطعة من العذاب.

ويصف عمر حالهم في مخيمات النزوح شمال سورية، بقينا  8أشهر في المخيمات التي لا يتوفر بها أي شيء من مقومات الحياة البسيطة، لا كهرباء ولا ماء ولا أي شيء، فقط أرض قاحلة يوجد بها مئات الخيم !! وآلاف العائلات !!!

الرجال في قسم والنساء في قسم آخر، وكل خيمة كانت تتسع من 25 شخصاً إلى30 ولكن كان يجلس فيها أكثر من 70 رجلاً ومثلها خيم النساء، يقدمون لك بعض الطعام يومياً ولا يكفي إلا لنصف الموجودين، تخرج الناس وتشتري من بعض الخيم التي كانت تحوي كل ما تحتاجه، تلك الخيام كانت تعود لتجار الأزمات، والمواد التي بها هي نفس المواد التي ترسل للمهجرين في المخيمات ولكن يخرجونها للبيع، نعم هذا ما يحصل لأنه لا يوجد لا رقيب ولا حسيب وأي شخص يريد التذمر على هذا الوضع يطرد من المخيم.

يضيف عمر وسط هذا الوضع المزري في المخيمات اضطر بعض الأهالي لإيجار أي بيت يقطن به هو وعائلته، فيستقبلوه بكل صدر رحب وابتسامة كبيرة ويقولون له أن إيجار البيت 100 دولار في الشهر وكأنه أحد السائحين، فلهذا لا أحد يعلو صوته خوفاً من أن يبقى هو وعائلته على الرصيف، تلك هي مخيمات "الموت البطيء" ، ثم شاء الله أن دخلت الأراضي التركية بطريقة غير نظامية طبعاً لأن اللاجئ الفلسطيني يمنع دخوله لتركيا إلا بعد معاناة كبيرة.

وفي ختام حكايته يحدثنا عمر بمرارة اللاجئ الفلسطيني " نبحث عن معيشة فيها نكون فيها بشر، نعيش مثل أي شخص يعمل ويأكل ويشرب ويمارس حياته اليومية، مرّ 5 سنوات وسندخل السادسة ولم أرى فيها عائلتي، ولا أعلم إن كنت سألتقي بهم مرة اخرة أم لا، نحن الذين دمرت حياتنا منذ الصغر ونعيش لنوهم أنفسنا أننا بشر، لا نريد سوى أن يعترف العالم بنا، أننا من أرض الإسراء والمعراج، أن لنا بلد لن ننسى قضيته، كما نرجو من جميع العاملين في هذا الأمر أن يتوصلوا إلى حلول بشأن إخواننا وأخواتنا الموجودون في المخيمات فقد بلغ الحال بهم إلى حد عظيم.

 

المصدر : مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا

20/2/1440

29/10/2018




الاسم :
البريد الالكتروني :
التعليق    

من إصدارات اللجنة

القائمة البريدية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع